طبول الحرب الشاملة: سيناريو التدمير المتبادل ورهان العناد الإستراتيجي
العميد عبد اللطيف نواس البلجي
تؤكد جميع المؤشرات العسكرية والميدانية الرابضة على مسرح العمليات الإقليمي والدولي أننا نسير بخطى حثيثة نحو جولة قتال مكثف وشاملة باتت وشيكة الفصول؛ يرتبط توقيتها التكتيكي بإنهاء الترتيبات السياسية للداخل الأمريكي—غالباً بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، أو ربما يُعجَّل بها قبلها لفرض حقائق ميدانية جديدة. إن ما يشهده الميدان اليوم ليس تهدئةً ولا استراحة محارب، بل هو عملية إعادة مذخرة واسعة النطاق، وتحديث لبنك الأهداف الاستراتيجية، بالتوازي مع أعمال الصيانة الدورية الشاملة لحاملات الطائرات، والقطع البحرية الضاربة، وسلاح الجو، ومحطات الرادار الإنذارية.
تتجه القراءة العسكرية للتداعيات المحتملة لهذه الجولة نحو وصفها بـ “التدميرية الشاملة”؛ حيث ستتركز الضربة الأولى والعمياء على المنشآت الحيوية للمحروقات والطاقة داخل الأراضي الإيرانية، ليأتي الرد الإيراني التناظري باستهداف منشآت النفط والغاز والبنية التحتية للطاقة في الضفة المقابلة من الخليج. والمحصلة الحتمية لهذه المعادلة الصفرية هي خروج منطقة الخليج برمّتها—بضفتيها—من السوق الدولية للمحروقات (النفط والغاز ومشتقاتهما).
إن هذا السيناريو الكارثي يمثل مصلحة اقتصادية أمريكية عليا تتمثل في رفع أسعار الطاقة وإعادة تحكم واشنطن بمنافذ الإمداد، إلى جانب كونه مصلحة استراتيجية حيوية للكيان الإسرائيلي لتفتيت المقومات الاقتصادية للمنطقة وتأمين تفوقه المطلق؛ حيث يُطبق على الإقليم بالكامل المثل القائل: “فخار يكسر بعضه”.
ولو أن القوى الإقليمية استمعت لنداء العقل والوحدة الاستراتيجية التي نُادي بها منذ عقود، لأصبحت هذه المنطقة الإسلامية الممتدة الرقم الأصعب والرقيب المباشر في معادلة النظام الدولي. لكن العقبة الخؤود تكمن في “العناد السلبي وغياب الرؤية الاستراتيجية الجامعة”؛ حيث تعيد المنطقة بعماوة تكتيكية إنتاج نموذج “حرب البسوس” و”داحس والغبراء”، ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين وبكلفة تدميرية غير مسبوقة.
وفي هذا المشهد المأساوي، يمارس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دور “البسوس الحديثة” بتأجير الفتن وتغذية نقاط التماس، رغم أن جذور هذه الخلافات البينية أوهن وأتفه من “ناقة البسوس” التاريخية. إن هذا العناد السياسي لم ينتج سوى تحويل دول المنطقة ومقدراتها إلى مجرد أدوات تكتيكية بيد القوى العظمى؛ إذ أدرك الخصوم تماماً أن أي مبادرة وحدة أو تقارب استراتيجي حقيقي يجب ألا تنجح، لأن نجاحها يعني إفلاس بائعي السلاح وسلب القوى الاستعمارية أوراق لعبها في المنطقة.
العميد عبد اللطيف نواس البلجي



إرسال التعليق