جاسوس خطير جدا

لبيد ب

في ليلةٍ من ليالي شتاءِ بيروتَ الهادئةِ من يناير عام 1963، وبينما كانت رطوبةُ البحرِ تتسللُ إلى أزقةِ المدينة..

كان ضابطُ المخابراتِ البريطانيةِ (MI6) “نيكولاس إيليوت يرتشف قهوته في إحدى شقق العاصمة اللبنانية، ممسكاً بيده مسجل صوت يسجل كل كلمة تقال ببطء.

و أمامه، كان يجلس أقرب أصدقاء عمره، الصحفي الأنيق صاحب النبرة الرزينة والرأي السديد: «هارولد أدريان راسل فيلبي».. الشهير بـ «كيم فيلبي».

لم يكن الاجتماع بين صديقي العمر، بل كان ما يشبه المحاكمة الصامتة.

ولأول مرة منذ 28 عاماً من الخداع المطلق، ينظر “كيم” في عين صديقه ليقول له ببرود:

«أتعرف ياصديقي…لقد وضعت هذه اللحظة بالذات في ذهني لمدة ثمانية وعشرين عاماً.. كنت أعلم أنني سأصل إليها حتماً!»

وقد كان ذلك هو الاعتراف الأخير لأخطر عميل مزدوج عرفه التاريخ الحديث؛ الرجل الذي تخفى في ثياب النخبة البريطانية ليستأصل أسرار الغرب من الأحشاء، ويسلمها طازجة إلى الكرملين!

ولِد “كيم فيلبي” عام 1912 في مدينة “أمبالا” بالهند البريطانية.

لم يكن والده سوى “جون فيلبي”، المستكشف والدبلوماسي الشهير الذي اعتنق الإسلام وصار مستشاراً للملك عبد العزيز آل سعود!

أطلق عليه والده لقب “كيم” تيامناً ببطل رواية “روديار كبلينغ” عن الشاب الذي يمارس التجسس للإمبراطورية.

لكن “كيم” الصغير لم يكن يفكر أبداً في أن يخدم هذه الإمبراطورية التي كان ينتمي إليها!

في داخل كلية “ترينيتي” بجامعة كامبريدج العريقة، افتُتن كيم بالماركسية والأفكار الإشتراكية.

ومن النمسا عبر منظمة “الكومينترن” (الأممية الشيوعية)، جُنِّد رسمياً لصالح الاستخبارات السوفيتية.

و تحت غطاء عمله مراسلاً لصحيفة “التلغراف” (The Times)، ذهب إلى إسبانيا أثناء الحرب الأهلية.

و كتب تقارير محبوكة ببراعة تُؤيد قوات الديكتاتور “فرانشيسكو فرانكو”، محققاً تقرباً أمنياً مرعباً حصد على إثره “الصليب الأحمر للمستحقين عسكرياً” من يد فرانكو نفسه!

كان ذلك أول وسام ناله الجاسوس.. من أعدائه!

سريعاً ما التحق فيلبي بـ (MI6)، وتدرج بسرعة الصاروخ حتى أصبح رئيساً لقسم مكافحة التجسس السوفيتي!

أي أنه كان المسؤول الأول عن حماية بريطانيا من الجهاز الذي يعمل هو لحسابه شخصياً!

كان يحيط به شبان النخبة الشيوعية المعروفون بـ «خماسي كامبريدج» (دونالد ماكلين، غاي بيرجس، أنثوني بلانت، وجون كيرنكروس).

ولإدراك حجم خطورته، إليك ما تكشفه وثائق الأرشيف الوطني البريطاني المفرج عنها حديثاً (21 ملفاً سرياً):

في إسطنبول تركيا عام 1945، ظهر عميل KGB يُدعى “كونستانتين فولكوف” في القنصلية البريطانية، طالباً اللجوء مع زوجته مقابل تقديم أسرار وأسماء 9 عملاء سوفييت مهمين جداً يعملون في قلب المؤسسات البريطانية، وأكد أن أحدهم هو “رئيس قسم مكافحة التجسس في MI6”.

و بمجرد أن قرأ فيلبي التقرير، سرب الخبر فوراً لموسكو، وطار شخصياً إلى إسطنبول لـ “متابعة هذا الرجل بنفسه.

وبحلول وصوله، كان ضباط الـ KGB قد خطفوا فولكوف وزوجته، وشُدا بالأربطة حُقناً بالمخدر، ونُقلا على نقالة طبية إلى طائرة تتجه لبلغاريا.. ليتواريا عن الوجود إلى الأبد!

و عندما حُصر صديقه العميل “دونالد ماكلين” في واشنطن بعد تسريبه أسرار القنبلة الذرية للروس، كتب فيلبي لزميله “غاي بيرجس” رسالة مشفرة تحذيرية تتحدث عن “سيارة مهجورة في الفناء الخلفي”، ليفر ماكلين وبيرجس فوراً إلى موسكو قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من القبض عليها!

و رغم كل الشكوك التي حامت حوله، لم تجد المخابرات البريطانية أدلة ملموسة لتدينه.

و أُجبر في النهاية على الاستقالة من (MI6)، لكن صديقه الوفي “نيكولاس إيليوت” أوجد له مخرجاً و استطاع أن يعيده إلي العمل مرة أخرى.

ليعمل مراسلاً لمجلتي “إيكونوميست” و”أوبزرفر” في بيروت عام 1956 كغطاء.

وظل السر مدفوناً.. حتى صيف عام 1962!

اعترفت صديقته القديمة “فلورا سولومون” بأن فيلبي حاول تجنيدها للشيوعية عام 1934.

و هنا، انزاح الستار بالكامل.

طار إيليوت إلى بيروت. وسجل اعترافات فيلبي المقتضبة.

افترقا على تلعثم وتفاهم ضمني؛ بأن يظل فيلبي يتعاون مع رجل الـ MI6 في بيروت “بيتر لون” مقابل عدم ملاحقته قضائياً.

ولكن بعد أيام قليلة فقط من اللقاء، وفي ليلة عاصفة من يناير 1963، تسلل كيم فيلبي إلى ميناء بيروت، وصعد على متن سفينة بخارية روسية أبحرَت به نحو موسكو!

الوثائق البريطانية تترك السؤال بلا إجابة قاطعة: هل ترك إيليوت صديقه القديم يهرب عمداً لإنقاذ المؤسسة البريطانية من الفضيحة؟

رسالة فيلبي اللاحقة لإيليوت من موسكو كانت واضحة وساخرة:

«لا أستطيع منع نفسي من التفكير في أنك ربما أردت مني أن أختفي!»

عندما وصل كيم موسكو استُقبل في الاتحاد السوفيتي استقبال الأبطال.

مُنح وسام “لنين”، ورتبة جنرال، وضُعِمت صورته على الطوابع البريدية الرسمية.

لكن خلف هذا البهرج الأيديولوجي، تكشف الوثائق والشهادات عن نهاية مأساوية وأليمة للعميل الأكثر مراوغة في التاريخ…

عاش فيلبي في موسكو 25 عاماً يقتله الشوق لناديه الإنجليزي ومباريات الكريكيت.

انتهى به المطاف غريباً مهجوراً، وطيّ النسيان، وسكيراً يُغرق خياناته في زجاجات الفودكا، حتى توفي وحيداً عام 1988!

والآن يا أصدقائي.. نصل إلى ختام هذه الحكاية الأسطورية من “حروب الظلال”!

قصة “كيم فيلبي” تضعنا أمام التساؤل المظلم في عالم التجسس: هل كان كيم فيلبي العقل الأقوى الذي خدع إمبراطورية كاملة.. أم كان مجرد ضحية لعقيدة جرفت حياته، ليفر من جحيم الشك في لندن إلى سجن الوحدة والإدمان في موسكو؟

و هل تعتقدون أن المخابرات البريطانية سَهّلت هروبه من بيروت لتغطية سوءة الاختراق؟

و الآن ياصديقي هل نواصل كشف ملفات “خماسي كامبريدج” المتبقية، أم نفتح ملفاً جديداً عن الجواسيس الذين غيروا مجرى حرب أكتوبر والمواجهات الشرق أوسطية؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك