النصيحة لا تعني الكراهية
رشيد مصباح (فوزي)
*
نحن لا نكره الأشخاص لذواتهم، وإنما نكره أفعالهم وتصرفاتهم حين تسيء إلى الناس أو تتجاوز حدودها. وقد نضطر إلى انتقادها، لا حقدًا على أصحابها، وإنما لأن النقد الصادق أحيانًا يصبح واجبًا تفرضه الأخلاق.
فالساكت عن الحق شيطان أخرس، و المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة، يرى فيها عيوبه، والمثل عندنا يقول: «خوذ راي اللّي يبكّيك، وما تخذش راي اللّي يضحكك».
والنصيحة عماد الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة». ومن ثمّ، فليس من الحكمة أن يجامل الإنسان أخاه في الخطأ، ولا أن يرفض النصيحة لمجرد أنها لا توافق هواه. فمن رأى في أخيه عيبًا فلينصحه، ومن تلقّى النصيحة فليملك من الشجاعة ما يجعله يتوقّف لحظة أمامها.
وقد سمعتك في أكثر من مناسبة تتحدّث كثيرًا بلغة «أنا». ولا مشكلة في أن يقول الإنسان «أنا» حين يتحدّث عن نفسه، لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل «أنا» إلى شعور بالتفوّق، وإلى قناعة بأن صاحبها لا يخطئ ولا يُراجَع.
لقد كانت «أنا» كلمة إبليس حين قال: «أنا خير منه»، فكانت عنوانًا للكبر والعصيان. وقالها فرعون متعاليًا، فكانت نهايته الغرق، وبقي عبرة لمن يعتبر.
ولهذا، فإن أول ما يحتاج إليه الواعظ، وخاصة حين يقف على المنبر، هو التواضع.
كان هناك من هو أفضل مني ومنك: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومع ذلك لم تمنعه مكانته من أن يتقبل اعتراض امرأة في مسألة تحديد المهور، فقال: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».
هكذا يكون الكبار حقًا: لا يرون في الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مقامهم، ولا يعتبرون قبول النصيحة هزيمة، ولا يظنون أن مكانتهم تمنحهم حصانة من النقد.
أما الكِبر، فقد عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «بَطَرُ الحق وغمط الناس»؛ أي ردّ الحق ورفضه، واحتقار الناس وازدراؤهم.
ومن المؤسف أن يتحوّل المنبر، عند بعض الناس، من موضع للخشوع والتذكير إلى منصّة لإبراز الذات. فتجد صاحبها يتحدّث وكأنه صاحب الحقيقة المطلقة، ومن أمامه مجرّد مستمعين لا يملكون إلّـا الإصغاء.
والمنبر، يا سادة، ليس ملكًا لمن يقف عليه، ولا يمنح صاحبه رتبة فوق الناس. إنه أمانة، ومنبر النبي صلى الله عليه وسلم ليس مسرحًا لاستعراض الشخصية ولا ميدانًا لإثبات الذات.
وكان هناك من هو أفضل مني ومنك: أبو بكر الصديق رضي الله عنه، الذي قال للناس يوم تولّى الخلافة: «أيها الناس، فإني قد وُلّيت عليكم ولستُ بخيركم».
فما أعجب الفرق بين من يرى نفسه فوق الناس، ومن كان خير الناس بعد الأنبياء ويقول لهم: «ولستُ بخيركم»!
لذلك، حين تقف فوق المنبر، تذكّر أن ارتفاعك عنه لا يعني أنك ارتفعت فوق الناس، وأن رفع الصوت لا يعني قوّة الحجّة، وأن كثرة الكلام لا تصنع علمًا، وأن تكرار «أنا» لا يصنع مقامًا.
فالمنبر لا يكبّر صاحبه؛ بل يكشف حجمه الحقيقي.
ومن أراد أن يعظ الناس، فليبدأ بنفسه. ومن أراد أن يصحّح أخطاء الآخرين، فليترك في قلبه مساحة لاحتمال أن يكون هو أيضًا مخطئًا.
فالتواضع لا يُنقص من قدر الواعظ، وإنما يرفعه. أما الكِبر، فقد يجعل الإنسان كبيرًا في عيني نفسه، صغيرًا في أعين الناس.

إرسال التعليق