قراءة في الانتخابات الفلسطينية التشريعية 2026م… والتحولات الداخلية والخارجية تغير الموازين واحتمالات المشهد المقبل
بشار مرشد
*** مقدمة:
لا تبدو الانتخابات التشريعية الفلسطينية في حال إجرائها مجرد استحقاق دستوري مؤجل بل قد تشكل لحظة لإعادة ترتيب موازين القوة داخل النظام السياسي الفلسطيني في ظل ظروف داخلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد.
وتأتي الانتخابات المحتملة في بيئة مختلفة عن تلك التي احاطت بالانتخابات السابقة فالمجتمع الفلسطيني حاليا يواجه ضغوطا اقتصادية واجتماعية متراكمة، من ازمة الرواتب والبطالة وتراجع فرص العمل الى ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية بالتوازي مع ازمة سياسية مستمرة وانسداد في الافق الوطني اضافة الى تغول الاحتلال وجرائمه واستفحاله في انتهاك القوانين الدولية، وهذا التحول في البيئة العامة قد ينعكس مباشرة على سلوك الناخب، فالناخب الذي يعيش ازمة معيشية يومية قد يظل متمسكا بالقضية الوطنية لكنه يصبح في لحظة الاختيار اكثر اهتماما بمن يستطيع ان يوفر له انفراجة قريبة، وليس فقط بمن يقدم له مشروعا سياسيا بعيد المدى، ومن هنا فان الانتخابات المقبلة قد لا تكون منافسة على البرامج السياسية وحدها وانما منافسة على القدرة على ادارة الازمة وتخفيف اثارها.
*** المعطيات :
** تحول من القضية السياسية الى اولوية المعيشة:
لا يمكن تجاهل احتمال ان تؤدي الضغوط الاسرائيلية والظروف الاقتصادية المتراكمة الى دفع مركز الاهتمام الفلسطيني تدريجيا من المجال السياسي الى المجال الاجتماعي والمعيشي، ولا يعني ذلك ان القضية الوطنية تفقد مكانتها، وإنما يعني ان ترتيب الاولويات قد يتغير تحت ضغط الحاجة، فالاسئلة التي قد تحضر بقوة لدى الناخب هي من يستطيع توفير العمل ومن يستطيع تحقيق انتظام الرواتب ومن يستطيع تحسين الخدمات ومن يستطيع جذب الدعم وإعادة الاعمار ومن يستطيع فتح المجال امام حركة اقتصادية واجتماعية أفضل، وبالتالي فان اي قوة سياسية قادرة على تقديم نفسها باعتبارها عنوانا للانفراج قد تحصل على رصيد انتخابي يتجاوز حجمها التنظيمي او الايديولوجي التقليدي، وهنا تبدأ المعادلة الاكثر حساسية.
**فتح قوة واسعة ولكنها ليست بالضرورة كتلة انتخابية واحدة:
تبقى حركة فتح تنظيما شعبيا واسعا وتمتلك امتدادا اجتماعيا وتنظيميا لا يمكن تجاهله، كما ان طبيعتها الداخلية تقوم على تعدد الاراء والتيارات ووجود مساحة من المعارضة والانتقاد الداخلي، وهذه الخاصية شكلت تاريخيا احد عناصر قوة الحركة، لانها سمحت لها باستيعاب اتجاهات وشخصيات وقواعد اجتماعية متعددة، لكن تلك الخاصية نفسها يمكن ان تتحول الى مصدر ضعف انتخابي خاصة في هذه المرحلة اذا لم تتمكن الحركة من تحويل هذا التنوع الى قائمة موحدة وإرادة انتخابية مشتركة.
وهنا ينبغي التفريق بين شعبية فتح وبين قدرة القائمة الرسمية على الحصول على اصوات هذه الشعبية، فقد يبقى المواطن فتحاويا في هويته السياسية، لكنه لا يصوت بالضرورة للقائمة الرسمية اذا شعر ان تمثيله لم يعد مضمونا، او ان شخصيات اقرب الى مصالحه موجودة في قوائم أخرى ومن هذه الزاوية فان اخطر ما يمكن ان تواجهه فتح ليس بالضرورة انتقال جمهورها الى خصم إيديولوجي، وإنما اعادة توزيع جمهورها بين عدة قوائم، او تحول جزء منه الى الامتناع عن المشاركة.
**البيئة الفتحاوية التي تعتبر نفسها مهمشة:
تكتسب هذه المسألة اهمية خاصة في ضوء ما تركته السنوات الماضية من احساس لدى بعض الشخصيات والقواعد بتراجع دورها او ضعف حضورها في مراكز القرار مبررين ذلك باستحواذ بعض القيادات وتفردها بالقرار، وعدم المحاسبة، فالتهميش التنظيمي لا يتحول تلقائيا الى انشقاق لكنه يمكن ان يمر بمسار تدريجي يبدأ بتذمر داخلي وأحيانا مهاجمة بحجة وجود فساد ثم امتناع عن دعم القائمة الرسمية وصولا الى الانتقال الى قائمة منافسة، والمرحلة الثالثة هي الاكثر تأثيرا في النتائج، فإذا ظهرت قوائم يقودها او يشارك فيها فتحاويون سابقون، فإنها لن تحتاج بالضرورة الى اقناع الناخب بأنه يجب ان يتخلى عن فتح او عن هويته السياسية، يكفي ان تقنعه بان تمثيل فتح يمكن ان يكون خارج الاطار الرسمي، وهذا يخلق منافسة مختلفة تماما وأكثر خطورة.
**المال والتنظيم والشبكات الاجتماعية:
في بيئة اقتصادية مضغوطة، يكتسب المال السياسي اهمية أكبر لكن تأثيره لا يأتي من المال وحده، فالمال يصبح اكثر فعالية عندما يقترن بشبكات اجتماعية وتنظيمية قادرة على الوصول الى الجمهور ويمكن ان تتشكل معادلة ذات تأثير كبير وهي: الموارد المالية + الشبكات المحلية + التنظيم + الخطاب المعيشي = قدرة مرتفعة على الاستقطاب وتزداد اهمية هذه المعادلة اذا استطاعت جهة سياسية ان تقدم نفسها باعتبارها قادرة على توفير فرص العمل او المساعدة او الخدمات او الوصول الى مصادر الدعم وإعادة الاعمار، وهنا لا يصبح المال مجرد وسيلة لتمويل حملة انتخابيه بل يمكن ان يتحول الى اداة لبناء النفوذ السياسي والاجتماعي وتعزيز القدرة على الوصول الى الشرائح الاكثر تضررا اقتصاديا.
**العامل الخارجي:
لا يمكن قراءة المشهد الفلسطيني بمعزل عن الاطراف الاقليمية والدولية التي تمتلك ادوات تأثير سياسية واقتصادية ودبلوماسيه لكن السؤال الاهم ليس فقط من سيدعم اي طرف بل ما طبيعة المرحلة السياسية التي تسعى الاطراف الخارجية الى انتاجها، فإذا كانت المرحلة المقبلة مرتبطة بإعادة اعمار غزة، وإعادة ترتيب مؤسسات السلطة وإصلاح النظام السياسي وإعادة انتاج الشرعية فان بعض القوى الخارجية قد تبحث عن شريك فلسطيني قادر على ادارة هذه الملفات والتعامل معها، وهنا يمكن ان يظهر الدعم الخارجي بأشكال متعددة سياسية واقتصادية ودبلوماسية وإعلامية، او من خلال القدرة على توفير الموارد المرتبطة بإعادة الاعمار والمساعدات، لكن الدعم الخارجي، مهما كان مؤثرا لا يستطيع وحده صناعة قاعدة اجتماعية مستقرة او شرعية شعبية، وقد يضخم قوة موجودة بالفعل او يمنحها موارد إضافية لكنه لا يضمن انتاج شرعية شعبية، ومن هنا، فان العامل الخارجي ينبغي ان ينظر اليه باعتباره عاملا مضاعفا للقوة والنفوذ وليس بديلا عن القاعدة الشعبية والتنظيم.
**غزة وترتيبات المرحلة المقبلة:
لا يمكن فصل الانتخابات المحتملة عن طبيعة الترتيبات السياسية والإدارية المتعلقة بقطاع غزة، فمستقبل القطاع، وترتيبات إدارته ودور السلطة الفلسطينية في اعادة الاعمار، وطبيعة العلاقة بين غزة والضفة، ومشاركة القوى السياسية المختلفة كلها عوامل يمكن ان تنعكس بصورة مباشرة على شكل التحالفات والقوائم والخطابات الانتحابية ولذلك فان السؤال الانتخابي لا يتعلق فقط بمن سيحصل على اكبر عدد من الأصوات وإنما ايضا بطبيعة النظام السياسي الذي ستجري الانتخابات في إطاره ومدى قدرة الاطراف المختلفة على تقديم نفسها باعتبارها قادرة على التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب وإعادة الاعمار وإعادة بناء المؤسسات، وكلما ارتبطت الانتخابات بترتيبات سياسية اوسع تخص غزة، زادت اهمية هذا العامل في تحديد اتجاهات التحالفات وموازين القوة.
**النظام الانتخابي ونسبة المشاركة:
لا يمكن تقدير اثر التشظي السياسي بمعزل عن طبيعة النظام الانتخابي للقوائم المغلقة والتنافس على الترتيب والية تحويل الاصوات الى مقاعد، فالقائمة التي تحصل على نسبة معينة من الاصوات لا تكون بالضرورة مساوية في وزنها السياسي لقائمة اخرى تحصل على النسبة نفسها اذا اختلف توزيع الاصوات او الية احتساب المقاعد، ومن هنا فان السؤال لا ينبغي ان يكون فقط كم صوتا يمكن ان تخسره فتح؟ وانما كيف يمكن ان يتحول توزيع هذه الاصوات بين القوائم الى مقاعد داخل المجلس التشريعي؟
وبالمثل فان نسبة المشاركة ستكون متغيرا مهما في تحديد النتائج، فقد لا تنتقل الاصوات الفتحاوية بالضرورة الى قوائم منافسة وإنما قد تتحول الى عزوف عن المشاركة في حين ترتفع مشاركة قواعد منافسة اكثر تنظيما او تحمسا، وبالتالي فان انخفاض المشاركة داخل بيئة سياسية معينة قد ينتج اثرا انتخابيا شبيها بخسارة الأصوات حتى دون انتقالها الى منافس مباشر، ولذلك فان مراقبة اتجاهات المشاركة ستكون ضرورية لفهم ما اذا كان اي تغير في النتائج ناتجا عن انتقال فعلي في التفصيلات ام عن اختلاف في مستويات المشاركة.
**التحالفات العابرة للانقسامات التقليدية:
قد يكون التطور الاكثر اهمية هو ظهور تحالفات لا تقوم على التقارب الايديولوجي بالضرورة، وإنما على الرغبة في تغيير الوضع القائم، حتى وان كانوا اعداء الأمس فإذا اجتمعت قوى مختلفة مع شخصيات مستقلة وقواعد فتحاوية مهمشة وشبكات اجتماعية محلية وموارد مالية وخطاب يركز على الازمة المعيشية وعلاقات او دعم اقليمي ودولي بدرجات مختلفة، فإنها قد تنتج كتلة انتخابية اكبر من مجموع مكوناتها التقليدية.
وهنا لن تكون المنافسة مجرد فتح في مواجهة فصيل، وإنما قد تصبح منافسة بين الوضع القائم وتحالف يسعى الى اعادة توزيع النفوذ، وهذا التحول هو الذي يستحق المراقبة الأكبر لان خطورته لا تكمن في قوة احد مكوناته منفردا، وإنما في قدرة هذه المكونات على العمل ضمن اطار انتخابي واحد.
**تداعيات المؤتمر الفتحاوي:
لا ينبغي النظر الى ما اظهره المؤتمر من نقاشات واعتراضات وتململ باعتباره خلافا تنظيميا عابرا فقط، القيمة الحقيقية لهذه التداعيات ستظهر في المرحلة التالية، من خلال السلوك وليس الخطاب، فإذا بقيت الاعتراضات داخل الاطر التنظيمية، فان اثرها الانتخابي قد يكون محدودا، اما اذا ظهرت لاحقا في صورة قوائم مستقلة، او انتقال شخصيات الى مواقع منافسة، او اعادة بناء شبكات محلية خارج الهيكل الرسمي، فان الخلاف التنظيمي يكون قد تحول الى عامل انتخابي مباشر، والفارق هنا جوهري فالمؤتمر لا يصبح مهما بسبب ما قيل فيه فقط، وإنما بسبب ما اذا كان ما قيل سيتحول الى سلوك سياسي قابل للقياس سواء من خلال تشكيل قوائم، او تغيير الولاءات الانتحابية او انخفاض مستوى المشاركة في القائمة الرسمية.
***الفرضيات المحتملة:
أولا( اعادة توحيد بيئة فتح):
تتمكن القيادة من احتواء التململ وإعادة استيعاب الشخصيات والقواعد المهمشة وتشكيل قوائم موحدة وفي هذه الحالة تبقى فتح صاحبة افضلية تنظيمية وشعبية واضحة حتى لو واجهت منافسة قوية، ويصبح العامل الحاسم هو قدرتها على ترجمة هذه الافضلية الى مشاركة انتخابية فعالة وأصوات موحدة.
ثانيا( تشظ محدود):
تظهر قوائم مستقلة ذات جذور فتحاوية لكنها لا تتمكن من بناء تحالف واسع وفي هذه الفرضية قد تخسر فتح عددا من الاصوات والمقاعد، لكنها تظل القوة الأكبر خصوصا اذا بقي الجزء الاكبر من البيئة الفتحاوية ملتزما بالقائمة الرسمية.
ثالثا( تشظ انتخابي واسع):
تتعدد القوائم المنافسة وتنجح في جذب شخصيات وقواعد فتحاوية، بالتزامن مع خطاب معيشي قوي وموارد مالية وشبكات اجتماعية وفي هذه الحالة يمكن ان تتحول قوة فتح التنظيمية الى مشكلة لان الاصوات التي تحتاجها للحفاظ على موقعها ستتوزع على اكثر من مسار، ويصبح اثر التشظي مرتبطا ايضا بنظام تحويل الاصوات الى مقاعد وبنسب المشاركة في مختلف البيئات الانتخابية.
رابعا( التحالف المركب المحتمل):
وهي الفرضية الاكثر تأثيرا اذا اجتمعت فيه عدة عناصر هي المال + التنظيم + القواعد الاجتماعية + جزء من البيئة الفتحاوية + الخطاب المعيشي + شخصيات مستقلة + علاقات او دعم خارجي بدرجات مختلفة، فإذا تشكل مثل هذا التحالف ونجح في تحويل هذه العناصر الى قائمة او قوائم قادرة على المنافسة، فان الانتخابات قد تنتقل من منافسة تقليدية على البرامج السياسية بين القوى القائمة الى اعادة تشكيل حقيقية للخريطة السياسية على أساس المصالح المشتركة، خصوصا اذا تزامن ذلك مع انخفاض مشاركة البيئة الفتحاوية او ارتفاع مشاركة القواعد المؤيدة للتحالف المنافس.
**الفرق بين التحالف الانتخابي والتحالف السياسي:
وهنا ينبغي التمييز بين التحالف الانتخابي والتحالف السياسي؛ فالقدرة على تشكيل تحالف عابر للانقسامات لا تعني بالضرورة امتلاك برنامج سياسي موحد، خصوصا عندما تجمعه قوى تختلف في رؤيتها السياسية والاستراتيجية. فقد يقوم هذا النوع من التحالفات على مصلحة انتخابية مشتركة أو على الرغبة في إعادة توزيع النفوذ داخل النظام السياسي، أكثر مما يقوم على اتفاق حول مشروع وطني متكامل. ومن ثم، فإن نجاح مثل هذا التحالف في تقليص وزن فتح أو إعادة توزيع مقاعدها لا يعني تلقائيا أن مكوناته تمتلك رؤية مشتركة لإدارة المرحلة التالية أو تصورا متوافقا بشأن مستقبل النظام السياسي والمشروع الوطني، وهنا قد يكون الاتفاق على تغيير موازين القوة أسهل بكثير من الاتفاق على كيفية إدارة القوة بعد تغييرها.
***المؤشرات التي تعزز الفرضيات وترجح احدها:
يمكن تحديد مجموعة من المؤشرات التي تساعد على فهم اتجاه المشهد قبل اتضاح النتائج وهي :
- ظهور قوائم تضم شخصيات فتحاوية خارج القائمة الرسمية.
- انتقال شخصيات تنظيمية الى مواقع سياسية منافسة.
- تشكل تحالفات بين قوى متباعدة ايديولوجيا.
- ظهور مصادر تمويل كبيرة او غير معتادة في النشاط الانتخابي.
- توسع شبكات الخدمات والمساعدات المرتبطة بشخصيات او قوى سياسية.
- تصاعد خطاب التغيير مقابل خطاب الاستمرار.
- تزايد التذمر داخل البيئة الفتحاوية وتحوله الى مواقف انتخابية فعلية.
- ارتفاع مستوى الحضور الاقليمي والدولي حول شخصيات او قوائم محددة.
- قدرة اي قائمة جديدة على الوصول الى المناطق والفئات الاكثر تضررا اقتصاديا.
- اتجاهات المشاركة الانتخابية داخل البيئات المؤيدة لفتح مقارنة بالبيئات المنافسة.
- قدرة القوائم المختلفة على تحويل حضورها الاجتماعي والتنظيمي الى اصوات فعلية وفق الية النظام الانتخابي.
- ظهور ترتيبات سياسية او اقتصادية مرتبطة باعادة اعمار غزة يمكن ان تمنح بعض الاطراف قدرة اكبر على الوصول الى الموارد او الجمهور.
ان هذه المؤشرات، اذا ما اجتمعت في اتجاه واحد، ستكون اكثر دلالة من اي استطلاع منفرد للرأي.
*** الملخص الختامي:
المعادلة الانتخابية المقبلة قد لا تكون ببساطة فتح مقابل فصيل او اكثر منفردين، بل قد تصبح فتح الرسمية مقابل شبكة اوسع من المصالح والقوى والتحالفات التي تستطيع جذب جزء من المعارضة، والجزء غير المحسوم، وجزء من البيئة الفتحاوية نفسها، وهنا تكمن المفارقة.
فتح تمتلك قاعدة شعبية وتنظيمية واسعة لكن اتساعها وتعددها الداخلي قد يتحولان الى نقطة قوة او نقطة ضعف بحسب قدرتها على ادارة المرحلة، فإذا نجحت في اعادة توحيد صفوفها واستيعاب المهمشين ومخاطبة الازمة الاقتصادية والاجتماعية بلغة مقنعة، فإنها ستظل القوة الاكثر قدرة على المنافسة، اما اذا تركت فراغا داخل بيئتها ونجحت قوى اخرى في ملء هذا الفراغ بالمال والتنظيم والشبكات الاجتماعية والخطاب المعيشي، مع توفر علاقات او دعم خارجي بدرجات مختلفة فان الخطر لن يكون مجرد خسارة مقاعد فالخطر الحقيقي سيكون اعادة توزيع القوة داخل البيئة الفتحاوية نفسها بما قد يفتح الطريق امام اعادة تشكيل اوسع للنظام السياسي الفلسطيني.
وبالتالي فان المؤشر الاكثر اهمية في المرحلة المقبلة ليس فقط حجم تأييد فتح وإنما مدى قدرتها على المحافظة على وحدة الصوت الذي تمثله، وقدرتها على تحويل هذه الوحدة الى مشاركة انتخابية فعلية وأصوات تتحول الى تمثيل نيابي وفق النظام الانتخابي المعتمد، فإذا بقي الصوت موحدا وارتفعت المشاركة، تبقى فتح قوة مركزية يصعب تجاوزها، اما اذا تشظى الصوت، او انخفضت المشاركة داخل بيئتها، وتمكنت قوائم جديدة من تحويل التذمر الى تنظيم والموارد الى نفوذ والأصوات الى مقاعد فقد تكتشف الحركة يوم الاقتراع ان مشكلتها لم تكن في ان خصومها اصبحوا اقوى منها، وإنما في ان جزءا من قوتها اصبح يعمل خارج اطارها الرسمي.
.
**تقدير الموقف النهائي:
الانتخابات المقبلة قد تضع فتح أمام اختبار مزدوج وهو الحفاظ على هويتها الشعبية من جهة، والحفاظ على وحدة صوتها الانتخابي من جهة أخرى، فإذا بقيت القاعدة موحدة، تظل الحركة قوة مركزية والبرنامج سياسي واضح أما إذا انفصل جزء من القاعدة عن القائمة الرسمية، وتزامن ذلك مع احتمال تغير معيار التصويت من سياسي استراتيجي إلى معيشي وخدماته تكتيكي وصعود تحالفات جديدة قد لا تتفق على برنامج سياسي موحد وانما على مصالح انتخابية مرحلية فقد تصبح الانتخابات مدخلا لإعادة تشكيل الخريطة السياسية الفلسطينية.



إرسال التعليق