أمريكا أولاً أم إسرائيل أولاً في الفكر الأمريكي
محمد عبد الكريم يوسف
الملخص
يتناول هذا البحث التناقض الجوهري بين الشعار السياسي “أمريكا أولاً” (America First) الذي رفعه
الرئيس دونالد ترامب منذ حملته الانتخابية الأولى، والتطبيق العملي لسياساته الخارجية التي أظهرت، في
محطات كثيرة، تفضيلاً واضحاً للمصالح الإسرائيلية على المصالح الأمريكية المعلنة. ينطلق البحث من
فرضية مفادها أن الفجوة بين النظرية والتطبيق في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط
ليست وليدة الصدفة أو نتاج سوء تقدير مؤقت، بل هي نتاج تفاعل معقد بين عوامل متشابكة: اللوبي
الإسرائيلي القوي في واشنطن، والتصورات الإستراتيجية التي تخلط بين أمن إسرائيل وأمن الولايات
المتحدة، والانقسامات العميقة داخل التيار المحافظ نفسه بين جناح “أمريكا أولاً” الانعزالي وجناح
“إسرائيل أولاً” التدخلي. يعتمد البحث منهجاً تحليلياً نقدياً يستعرض الأدبيات الأكاديمية، والتقارير
الصحفية، والتحليلات السياسية، ويتتبع مسار السياسة الأمريكية من شعارات الحملات الانتخابية إلى
قرارات الحرب الفعلية، وصولاً إلى الانقسامات الداخلية في الحزب الجمهوري وحركة “ماغا”
(MAGA). يخلص البحث إلى أن الفجوة بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً” ليست مجرد تناقض
خطابي، بل تعكس أزمة هوية عميقة في السياسة الخارجية الأمريكية، وأن مستقبل التحالف الأمريكي-
الإسرائيلي يتوقف على قدرة واشنطن على إعادة تعريف مصالحها الوطنية بشكل مستقل عن ضغوط
اللوبي والأجندات الخارجية.
مقدمة
في بداية حملته الانتخابية الأخيرة، خرج دونالد ترامب بخطاب بدا، في ظاهره، انقلاباً على تقاليد السياسة
الأميركية، حين رفع شعار “أمريكا أولاً” وتعهد بعدم إقحام الولايات المتحدة في حروب خارجية، مقدماً
نفسه باعتباره مرشحاً ينقذ الأميركيين من استنزاف الدم والمال في مغامرات عسكرية لا تعود عليهم
بفائدة. غير أن هذا الخطاب سرعان ما اصطدم بواقع مختلف تماماً، واقع كشف أن “أمريكا أولاً” لم تكن
سوى عبارة انتخابية، بينما السياسة الفعلية وضعت إسرائيل في صدارة الأولويات، ولو على حساب كل
ما ادعى ترامب أنه يسعى لحمايته.
فما شهدته المنطقة من انفجارات متتالية، وما شهدته من انخراط أميركي متزايد خلف إسرائيل، يثبت أن
الإدارة الأميركية لم تبتعد عن منطق الحروب، بل أعادت إنتاجه بصورة أكثر فجاجة، حيث جرى ربط
المصالح الأميركية عضوياً بأجندة إسرائيل، وتحويل واشنطن إلى مظلة سياسية وعسكرية مفتوحة
لحروبها، دون أي اعتبار للتداعيات الإقليمية أو للكلفة التي يدفعها الأميركيون أنفسهم من أموالهم وأمنهم
واستقرارهم.
يتضاعف أهمية هذا البحث في كونه يحاول تفكيك الفجوة بين الشعار والتطبيق في السياسة الأمريكية تجاه
الشرق الأوسط، وكشف الأبعاد الهيكلية والمؤسسية والأيديولوجية التي تنتج هذه الفجوة وتعيد إنتاجها.
فهذه القضية ليست مجرد تناقض في خطاب رئيس أمريكي، بل تعكس أزمة أعمق في النظام السياسي
الأمريكي نفسه، وفي علاقة الولايات المتحدة بحليفها الأكثر إثارة للجدل في المنطقة.
ينقسم البحث إلى أربعة محاور رئيسية: يستعرض الأول الجذور التاريخية والفكرية لشعار “أمريكا أولاً”
وتطوره، ويتناول الثاني مظاهر الفجوة بين الشعار والتطبيق في السياسات الفعلية، ويركز الثالث على
دور اللوبي الإسرائيلي وآليات التأثير، ويحلل الرابع الانقسامات الداخلية في التيار المحافظ، ويختتم
بخامس يناقش تداعيات هذه الفجوة على مستقبل السياسة الأمريكية والتحالف مع إسرائيل.
أولاً: الجذور التاريخية والفكرية: “أمريكا أولاً” بين المبدأ والشعار
1.1 نشأة الشعار وتطوره
يعود شعار “أمريكا أولاً” إلى حقبات مختلفة من التاريخ الأمريكي، لكن استخدامه الحديث ارتبط بقوة
بحملات دونالد ترامب الرئاسية. ففي خطاباته، قدم ترامب هذا الشعار بوصفه “انقلاباً على تقاليد السياسة
الأميركية” التي انخرطت في حروب لا نهاية لها في الشرق الأوسط، وتعهد بـ”عدم إقحام الولايات
المتحدة في حروب خارجية”. وكان جوهر الرؤية أن “جميع قوى أمريكا يجب أن تستخدم من أجل
الأميركيين”، وهو ما لخصه الشعار الموازي “فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى” (MAGA).
غير أن هذا المبدأ سرعان ما اصطدم بحقيقة أن “أمريكا أولاً” لم تكن في الواقع سوى “شعار فارغ”، وأن
السياسة الفعلية كانت تضع إسرائيل في مقدمة الأولويات. وقد عبر عن هذا التناقض أحد المحللين بقوله:
“في الشرق الأوسط، إنها ليست ‘أمريكا أولاً’. إنها ‘إسرائيل أولاً'”.
1.2 “أمريكا أولاً” في مواجهة “إسرائيل أولاً”: صراع المبادئ
مع مرور الوقت، تحول النقاش من مجرد انتقاد لسياسات ترامب إلى صراع أيديولوجي واضح بين
رؤيتين متعارضتين داخل التيار المحافظ نفسه. فمن جهة، هناك جناح “أمريكا أولاً” الذي يرى أن
“الولايات المتحدة يجب ألا تُجر إلى حروب خارجية نيابة عن دول أجنبية – وبشكل أكثر تحديداً،
إسرائيل”. ومن جهة أخرى، هناك الجناح المؤيد لإسرائيل الذي يرى أن “إسرائيل أولاً” و”أمريكا أولاً”
يعنيان الشيء نفسه.
وهذا الصراع لم يعد نظرياً، بل تحول إلى معارك انتخابية فعلية، كما في الانتخابات التمهيدية في كنتاكي
عام 2026، حيث وصف المراقبون المعركة بأنها مواجهة بين جناحي “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً”
داخل الحزب الجمهوري. وقد خاض النائب توماس ماسي (الجمهوري عن كنتاكي) هذه المعركة على
أساس رفضه للحروب الخارجية والدعم غير المشروط لإسرائيل، قائلاً: “الحرب بين إسرائيل وإيران
ليست حربنا”، بينما تلقى منافسه إد غالراين دعماً مالياً ضخماً تجاوز 5.7 ملايين دولار من اللوبي
المؤيد لإسرائيل.
ثانياً: مظاهر الفجوة بين النظرية والتطبيق
2.1 الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (2018)
يعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018 أحد أبرز
الأمثلة على الفجوة بين “أمريكا أولاً” والتطبيق الفعلي. فالاتفاق، رغم عيوبه، فرض قيوداً كبيرة على
البرنامج النووي الإيراني وتجنب المواجهة العسكرية. وكانت وكالات الاستخبارات الأميركية تشير
مراراً إلى أن إيران تلتزم بالتزاماتها الأساسية في ذلك الوقت. ومع ذلك، رأت حكومة واحدة أن الاتفاق
غير مقبول بغض النظر عن الامتثال: إسرائيل.
كرس نتنياهو سنوات لمعارضة الاتفاق ومارس ضغوطاً علنية على واشنطن للتخلي عنه، وفعل ترامب
ذلك تماماً. وكانت النتيجة ليست أمناً أميركياً أكبر، بل انهيار القيود الدبلوماسية، وتصاعد التوترات
الإقليمية، ومسار أدى في النهاية إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
2.2 قرارات القدس والجولان (2017-2019)
اتبعت قرارات ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها (2017)، ثم
الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان (2019)، المنطق نفسه. فلم تكن هناك حاجة ملحة للأمن
القومي الأميركي تقتضي هذه القرارات. فهي لم تقلل التهديدات للولايات المتحدة، ولم تقوِ الاقتصاد
الأميركي، ولم تحسن حياة المواطنين الأميركيين. لكنها حققت أهدافاً إسرائيلية طويلة الأمد وأضعفت
الموقف الدبلوماسي الأميركي في العالم العربي والإسلامي.
وقد لخص أحد المحللين هذا النمط المتكرر: “كلما تباعدت الأولويات الأميركية والإسرائيلية في الشرق
الأوسط، يُظهر سجل ترامب باستمرار تفضيلاً للأخيرة”.
2.3 الحرب على إيران (2025-2026): ذروة التناقض
بلغت الفجوة بين الشعار والتطبيق ذروتها في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران. ففي 2 مارس
2026، أدلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتصريح كشف فيه النقاب عن حقيقة الدور
الأميركي، قائلاً: “كنا نعلم أنه سيكون هناك عمل إسرائيلي، كنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على
القوات الأميركية، وكنا نعلم أننا إذا لم نبادر بالهجوم قبل إطلاق تلك الهجمات، فسنتكبد خسائر أكبر”.
وقد أوضح هذا التصريح أن الولايات المتحدة لم تكن تقود، بل تتبع قوة أجنبية – إسرائيل. وكما لاحظ
المحلل أندرياس كلوث، فإن روبيو “قلب عن غير قصد شعار ترامب للسياسة الخارجية بأكمله: أمريكا
ثانياً، إسرائيل أولاً”.
وقد عبر السيناتور أنغوس كينغ عن دهشته في جلسة استماع بمجلس الشيوخ: “هل فوّضنا الآن القرار
الأكثر خطورة الذي يمكن اتخاذه في مجتمعنا، قرار الذهاب إلى الحرب، إلى دولة أخرى؟”. وأضاف أن
هذا هو المعنى “المذهل” لزلة روبيو: “سيتم جرنا إلى حرب من قبل رئيس وزراء دولة أخرى”.
غير أن التناقض لم يقتصر على التصريحات، بل امتد إلى المبررات المتغيرة للحرب. فالمبررات التي
قدمها البيت الأبيض لم تكن ثابتة، بل تغيرت بسرعة وبصورة تكشف ارتباكاً في صياغة السياسة
الخارجية الأميركية. رئيس مجلس النواب مايك جونسون أشار إلى أن البيت الأبيض اعتقد أن إسرائيل
كانت عازمة على التحرك ضد إيران بمفردها، ما وضع الرئيس أمام قرار شديد الصعوبة. هذا التصريح
فتح الباب أمام تساؤلات عميقة: هل تتحرك واشنطن وفقاً لمصالحها الوطنية المباشرة، أم أنها تنخرط في
صراع إقليمي واسع لأن إسرائيل قررت أن الوقت قد حان للمواجهة؟
وقد لخص المحلل خافيير فيار هذا التناقض قائلاً: “إن التناقض صارخ: رئيس منتخب على أساس مقاومة
التشابكات الخارجية يلتزم الآن بقوات أميركية في صراع تحدده إلى حد كبير المنطق الإستراتيجي لدولة
أخرى”. ومن وجهة نظر طهران، “إسرائيل تحدد الأجندة وواشنطن توفر الوسائل”.
ثالثاً: اللوبي الإسرائيلي وآليات التأثير
3.1 “اللوبي الإسرائيلي” كقوة دافعة
لا يمكن فهم الفجوة بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً” دون تحليل دور اللوبي الإسرائيلي في السياسة
الأميركية. فقد قدم الأكاديميان جون ميرشايمر وستيفن والت في كتابهما الشهير “اللوبي الإسرائيلي
والسياسة الخارجية الأميركية” (2007) أطروحة مثيرة للجدل مفادها أن “السياسة الخارجية الأميركية
قد اختطفتها مجموعة ضغط إسرائيلية قوية”.
وقد أكدت التقارير الأخيرة استمرار هذا النفوذ، حيث وصفته صحيفة “فاينانشال تايمز” بأنه “تأثير
شرير” لمجموعات المصالح الخاصة على السياسة الأميركية. وقد أصبحت لجنة الشؤون العامة الأميركية
الإسرائيلية (AIPAC) “قضية شائكة لكل من اليسار واليمين الأميركي”، حيث يرى اليمين أنها ترمز
إلى “التأثير المفرط للمصالح الأجنبية على السياسة الأميركية، خاصة فيما يتعلق بحروب الشرق الأوسط
والمساعدات الخارجية”.
3.2 التأثير على الكونغرس والانتخابات
يمتد تأثير اللوبي إلى قلعة الديمقراطية الأميركية: الكونغرس. فقد أشارت تحليلات إلى أن “إسرائيل
محصنة فعلياً من تلقي النقد” في الكونغرس. وقد تجلى هذا التأثير بوضوح في الانتخابات التمهيدية
للحزب الجمهوري عام 2026، حيث أنفق اللوبي المؤيد لإسرائيل أكثر من 5.7 ملايين دولار لدعم
مرشح ضد النائب توماس ماسي، أحد أبرز منتقدي الدعم الأميركي لإسرائيل.
وحتى داخل حركة “ماغا” نفسها، أصبح التأثير مصدراً للانقسام. فالنائبة مارجوري تايلور غرين، إحدى
أبرز وجوه الحركة، اتهمت ترامب بالتخلي عن “أمريكا أولاً” لصالح “إسرائيل أولاً”، مشيرة إلى أن
“معظم أعضاء الكونغرس يتلقون تبرعات من AIPAC، وأنا لا أفعل”.
3.3 تراجع النفوذ؟ مؤشرات على التحول
غير أن هناك مؤشرات على أن نفوذ اللوبي الإسرائيلي قد بدأ يتراجع. فقد أقر الرئيس ترامب نفسه بأنه
“متفاجئ” من أن اللوبي الإسرائيلي، الذي كان “الأقوى في الكونغرس”، لم يعد يملك نفس النفوذ. وأظهر
استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك أن المعارضة لدعم إسرائيل وصلت إلى أعلى مستوياتها.
ويعكس هذا التراجع تحولاً أوسع في الرأي العام الأميركي، خاصة بين الشباب. فقد وجد استطلاع أن
“52.9 في المئة من جمهوريين ‘أمريكا أولاً’ الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يصفون الآن
هجمات إسرائيل على غزة بأنها ‘إبادة جماعية'”.
رابعاً: الانقسامات الداخلية في التيار المحافظ
4.1 “حرب أهلية” داخل “ماغا”
وصفت التقارير الصراع داخل حركة “ماغا” حول إسرائيل بأنه “حرب أهلية” تكتسب أبعاداً جديدة.
فالشعار المحدد للحركة هو “أمريكا أولاً”، الذي يشير إلى سياسة خارجية “مركزة فقط على تعزيز
المصالح الأميركية”. لكن “العقبة الأكبر أمام ‘أمريكا أولاً’ هي الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل”.
وقد أدى هذا التناقض إلى انقسام واضح داخل الحركة. فجزء كبير من مؤيدي “ماغا”، الذين يصفون
“أمريكا أولاً” بأنها “أمريكا فقط”، يشعرون بالانزعاج من نفوذ إسرائيل على الولايات المتحدة. ولهذا
اصطدمت شخصيات بارزة في “ماغا” مثل تاكر كارلسون ومارجوري تايلور غرين بـ”اللوبي
الإسرائيلي”.
4.2 معركة “التراث” (Heritage) كحالة دراسية
تجسدت الانقسامات بوضوح في الأزمة التي عصفت بمؤسسة “التراث” (Heritage Foundation)،
أحد أهم مراكز الأبحاث المحافظة في أميركا. ففي نوفمبر 2025، ثار موظفو المؤسسة ضد رئيسها
كيفن روبرتس بعد أن دافع عن المعلق تاكر كارلسون، الذي استضاف الناشط نيك فوينتس المعروف
بمعاداته للسامية.
وقد كشفت هذه الحادثة عن “صدع أيديولوجي أعمق داخل القاعدة الجمهورية”. فمن جهة، هناك الجناح
المؤيد لإسرائيل، المعروف بوصفه جناح “إسرائيل أولاً”، الذي يواصل الدفاع عن حروب إسرائيل في
الشرق الأوسط. ومن جهة أخرى، هناك جناح مناهض لإسرائيل في طور الصعود، يرى أن الدعم
الأميركي لإسرائيل يتناقض الآن مع موقف ترامب “أمريكا أولاً”.
4.3 جي دي فانس: وجه التحول
برز نائب الرئيس جي دي فانس كـ”الوجه الأبرز” للتحول في واشنطن، حيث لم تعد الولايات المتحدة
تعتبر إسرائيل حليفاً استثنائياً خارج إطار “أمريكا أولاً”. فقد جادل فانس، حتى قبل أن يصبح نائباً
للرئيس، بأن “مصالح إسرائيل ومصالح أميركا لا تتوافق دائماً، وأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تُجر
إلى حرب مع إيران نيابة عنها”.
وقد نقلت صحيفة “بوليتيكو” عن مستشار سياسي إسرائيلي قوله إن إسرائيل راهنت “بسذاجة” على أن
يعفيها ترامب من تطبيق مبدأ “أمريكا أولاً”، مضيفاً: “لكن هذا لم يكن ليستمر، وما كان بمقدورنا أن نظل
استثناء من كل القرارات الخارجية الأميركية طوال أربع سنوات”.
ومع ذلك، فإن فانس يمثل “الوجه الجديد للطبيعي” الذي لم تعد فيه مكانة إسرائيل كحليف أميركي تعلو
فوق جميع الآخرين. وهذا التحول، وفقاً للمحللين، “أكبر من جي دي فانس”، ويعكس تغيراً بنيوياً في
السياسة الأميركية.
خامساً: التداعيات والاستنتاجات: أزمة الهوية الأميركية
5.1 الفجوة كأزمة هوية
تكشف الفجوة بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً” عن أزمة هوية عميقة في السياسة الخارجية الأميركية.
فمنذ عقود، قامت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على افتراض أن مصالح أميركا وإسرائيل
متطابقة. لكن الأحداث الأخيرة، وخاصة الحرب على إيران، كشفت أن هذا الافتراض لم يعد صحيحاً، إن
كان قد كان صحيحاً يوماً.
فالمبررات التي قدمتها الإدارة الأميركية للحرب لم تكن دفاعاً عن الأراضي الأميركية أو مصالحها
الحيوية المباشرة، بل جاءت استجابة لخشية من أن إسرائيل ستنفذ هجوماً منفرداً قد يجر المنطقة إلى
فوضى أكبر. وهنا يتضح أن “القرار الأميركي لم ينبع من تقييم مستقل للمخاطر والفرص، بل من
حسابات مرتبطة بحليف إستراتيجي يملك نفوذاً كبيراً في دوائر صنع القرار بواشنطن”.
5.2 “أمريكا أولاً” بين الحلم والواقع
لخصت العديد من التحليلات مصير شعار “أمريكا أولاً” بعبارة “الحياة القصيرة بشكل ملحوظ لعقيدة
ترامب ‘أمريكا أولاً'”. فترامب عاد إلى السلطة “واعداً بكسر مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن،
وتجنب الالتزامات الخارجية المكلفة، ووضع مصالح المواطنين الأميركيين فوق مطالب الحلفاء
والحكومات الأجنبية”. لكن القرار بالعمل العسكري ضد إيران كشف حدود الانفصال المفترض عن
النظام القديم.
وقد عبرت صحيفة “ذا أتلانتيك” عن هذا التناقض بعنوان لافت: “من ‘أمريكا أولاً’ إلى ‘أمريكا دائماً
أخيراً'”، في إشارة إلى أن سياسات ترامب أدت إلى توريط أميركا في حروب لا تخدم مصالحها.
5.3 مستقبل التحالف الأميركي-الإسرائيلي
يشير التحليل إلى أن مستقبل التحالف الأميركي-الإسرائيلي يتوقف على قدرة واشنطن على إعادة تعريف
مصالحها الوطنية بشكل مستقل. فاستطلاعات الرأي تظهر “تآكلاً” في الدعم لإسرائيل، خاصة بين
الناخبين الشباب. وفي الوقت نفسه، يظل معظم الجمهوريين في الكونغرس داعمين لإسرائيل بشكل عام.
وهذا الانقسام بين النخبة السياسية والرأي العام يخلق حالة من عدم الاستقرار في السياسة الأميركية تجاه
الشرق الأوسط. فبينما تواصل النخب السياسية – المدعومة من اللوبي الإسرائيلي – دعم السياسات المؤيدة
لإسرائيل، يزداد الرأي العام الأميركي تشكيكاً في جدوى هذا الدعم.
5.4 الدروس المستفادة
تكشف قصة “أمريكا أولاً” مقابل “إسرائيل أولاً” عن عدة دروس مهمة:
أولاً: إن الفجوة بين الخطاب السياسي والتطبيق الفعلي ليست مجرد تناقض عابر، بل تعكس تأثيراً هيكلياً
لمجموعات المصالح على السياسة الخارجية.
ثانياً: إن استمرار هذه الفجوة يضعف مصداقية الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، ويؤدي إلى تورطها
في حروب لا تخدم مصالحها المعلنة.
ثالثاً: إن الانقسامات داخل التيار المحافظ حول إسرائيل تشير إلى أن الدعم غير المشروط لإسرائيل لم
يعد إجماعاً أميركياً، وأن المستقبل قد يشهد تحولات كبيرة في السياسة الأميركية.
رابعاً: إن قدرة إسرائيل على جر الولايات المتحدة إلى حروبها، كما حدث في الحرب على إيران، تطرح
تساؤلات جوهرية حول سيادة القرار الأميركي واستقلاله.
خاتمة
خلص هذا البحث إلى أن الفجوة بين شعار “أمريكا أولاً” والتطبيق الفعلي للسياسة الخارجية الأميركية
تجاه الشرق الأوسط ليست مجرد تناقض خطابي، بل تعكس أزمة بنيوية في النظام السياسي الأميركي.
فما بدا كوعد انتخابي بالانسحاب من حروب الشرق الأوسط تحول، في الواقع، إلى تورط أعمق في
صراعات إقليمية، ليس دفاعاً عن المصالح الأميركية، بل استجابة لأجندة إسرائيلية.
وقد كشفت الحرب على إيران (2025-2026) عن ذروة هذا التناقض، حيث اعترف مسؤولون
أميركيون علناً بأن واشنطن كانت تتبع الخطى الإسرائيلية، وأن القرار بالحرب لم ينبع من تهديد مباشر
للولايات المتحدة، بل من خشية أن تقوم إسرائيل بعمل منفرد قد يجر أميركا إلى مواجهة أوسع. وهذا
الواقع جعل العديد من المحللين يتحدثون عن “ذيل يهز الكلب”، حيث أصبحت إسرائيل هي التي تحدد
الأجندة، والولايات المتحدة هي التي توفر الوسائل.
غير أن المشهد ليس أحادي البعد. فالانقسامات العميقة داخل التيار المحافظ، وصعود أصوات داخل
حركة “ماغا” تدعو إلى إعادة النظر في الدعم الأميركي لإسرائيل، وتراجع نفوذ اللوبي الإسرائيلي في
الكونغرس، كلها مؤشرات على أن الفجوة بين “أمريكا أولاً” و”إسرائيل أولاً” قد تتحول من مجرد تناقض
إلى صراع مفتوح يعيد تشكيل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن الولايات المتحدة من استعادة استقلالية قرارها السياسي، أم
ستظل أسيرة لفجوة بين ما تقوله وما تفعله؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل التحالف
الأميركي-الإسرائيلي، بل مستقبل دور أميركا في الشرق الأوسط والعالم.



إرسال التعليق