​لا تكن سطراً في ديوان الغَير

الأستاذ حشاني زغيدي

​الحياة سيمفونية مدهشة

​الحياةُ سيمفونيةٌ مدهشة، تعزفها أصابع القدر على أوتار أيامنا؛ هي لحنٌ شجيّ، وحكايةٌ لا تكفُّ عن التشويق، تصنعُ تفاصيلها في مَخبر التجارب المريرة والحلوة معاً. هناك، في ذلك المعمل الوجودي، تولدُ القصصُ من رَحِم الألم، وتصقُلُها لوعاتُ الفقد ونشوةُ الوصول، لتمنحَ الروح طعماً لا ينساه الوجدان.

​بصمةُ التكوين.. لغزُ الاختلاف

​تنشأُ في أعماقنا مَلَكةُ الإبداع كبصمةٍ وراثية فريدة؛ قد تتشابهُ الملامحُ من بعيد، لكنّ التفاصيلَ في الداخل عصيّةٌ على التكرار أو الاستنساخ. هذا هو سرُّ الخَلْق الرباني: أن يكون لكل روحٍ “نوطةٌ” موسيقية فارقة ومميزة، تنتج لحناً منفرداً لا يذوب في ضجيج الجوقة، وإيقاعاً لا يعرفُ التقليد.

​صراعُ النسق والتميز

​نكبرُ.. وتكبرُ معنا أحلامنا التي كانت يوماً صغيرة كعصافير تحمل الضعف، تتعلم فنون العيش بصبر ومران. يُخالف “النسقُ” الاجتماعي والقوالبُ الجاهزة احتواءَ هذا المَدّ الجمالي، فتحاول حماية طموحنا كي لا يشبه الآخرين. تصرُّ الذاتُ الأبية لنحافظ على صبغِ عالمها بلونٍ لا يشبهه لون، وبشكلٍ لا تقيده الزوايا القائمة.

​ليس هذا التميزُ هروباً من الواقع، ولا خوفاً من خوضِ معارك الحياة، بل هو إعلانُ استقلالٍ تام؛ فالبصمةُ الحرةُ ترفضُ بالفطرة أن تكون مجرد “سطرٍ” عابر في ديوانٍ يملكهُ شخصٌ آخر.

​كسرُ الطوق.. غزلُ الأصالة

​لأجل هذا الاستقلال، نكسرُ الأطواق المفروضة، ونحطمُ الحصار القاتل الذي يفرضه التكرار والأنساق الجاهزة. نبني ذواتنا بألواننا المحبوبة، نلبي احتياجات أذواقنا، ونغزلُ كينونتنا الخاصة بخيوطٍ ليست ككل الخيوط.

​إنه غزلٌ مَنسوجٌ بوَبَرٍ خاص، لم يُصنع في مصانع الآلات المقلدة، بل عُجن في مصنع العاطفة الأول.. هناك حيث امتزجَ الطموحُ بـ “لبنِ أمي” الطاهر، ذلك المنهل الذي سقى بذورنا الأولى بماء الكرامة وصدقِ الانتماء.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك