الدِّين بريء من كل توظيف سياسيّ: ”الشعوب ليست وقودا لمشاريع الإمبراطوريات“
الدِّين بريء من كل توظيف سياسيّ: ”الشعوب ليست وقودا لمشاريع الإمبراطوريات“
رشيد مصباح (فوزي)
فرح المسلمون بانتصار الروم على الفرس، وقد خُلِّدت هذه الواقعة في قوله تعالى:﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ…﴾، وهي إشارة إلى حرب تاريخية موثّقة بين الإمبراطورية البيزنطية والساسانية (602–628م)، انتهت بانقلاب الموازين بعد هزيمة أولى للروم. كان الفرح قراءة واعية لمآلات الصراع، ولم يكن الفرح أبدا عاطفة عمياء.
غير أن مشكلتنا اليوم أننا نُعيد إنتاج الخطأ نفسه: نستسلم للعاطفة، ونقصي الوقائع، ثم نُشيّد مواقفنا على روايات ”معلّبة“.
لنعد إلى التاريخ القريب، لا إلى الشعارات.
في سنة 1953، أطاحت عملية مدعومة من الاستخبارات الأمريكية والبريطانية بحكومة (محمد مصدّق)، وأُعيد تثبيت (محمد رضا بهلوي) حاكما مواليا للغرب. هذه واقعة موثّقة في الأرشيفات الأمريكية نفسها، وليست رواية جدلية. وهذا يعني أن إيران، قبل 1979، كانت جزءا من المنظومة الغربيّة في المنطقة.
ثم جاءت سنة 1979، فسقط الشاه، وصعد ”روح الله“ الخميني، العائد من منفاه في فرنسا، حيث أقام في (نوفل-لو-شاتو) (Neauphle-le-Château)، وخاطب العالم عبر وسائل الإعلام الغربية بحرية كاملة غير منقوصة. وهنا يبرز السؤال الذي يتهرّب منه كثيرون:
هل كان هذا التحوّل قطيعة حقيقية مع النظام الدّولي، أم إعادة تموضع داخله؟
الوقائع اللاحقة تُجيب بوضوح:
اندلعت الحرب بين العراق وإيران (1980–1988)، واحدة من أطول حروب القرن العشرين، استُنزف فيها الطرفان، في وقت كانت فيه القوى الكبرى تدير الصّراع من الخلف، وتوازن بين الطرفين بما يمنع الحسم. لم تكن حربا بريئة، بل مختبرا لإعادة تشكيل المنطقة.
ثم جاءت لحظة 2003، حين غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام (صدام حسين).
النتيجة؟ لم تكن ”ديمقراطية“ كما رُوّج، بل فراغا استراتيجيّا ملأته إيران بسرعة، عبر نفوذ سياسيّ وأمنيّ واسع داخل العراق. هذا واقع أقرّت به مراكز القرار الغربية نفسها، وليس مجرّد رأي أو تحليل.
في أفغانستان بعد 2001، ظهرت تقاطعات ظرفية في المصالح، قبل أن تعود العلاقات إلى التعقيد.
وفي سوريا منذ 2011، لم تعد الأمور خافية: تدخّل إيران كان مباشرا، وتحالفها مع روسيا لتثبيت نظام مجرم قتل شعبه، كان واضحا وصريحا.
أما النفوذ الإقليمي، فلم يعد يحتاج إلى إثبات:
حزب الله في لبنان، حضور واسع في العراق، دعم لقوى مسلّحة في اليمن، وتموضع استراتيجي في سوريا… إنه مشروع نفوذ متكامل، لا مجرد مواقف سياسية عابرة.
وفي الجهة المقابلة، تواصل إسرائيل مشروعها، مدعومة من طرف الغرب، في مشهد يكشف أن المنطقة ساحة تصارع مشاريع وتقاطع مصالح متشابهة، وليست ساحة صراع بين ”حقّ وباطل“؛ متشابهة في جوهرها هدفها هو:
[التوسّع، وبسط النفوذ، وإعادة رسم الخرائط]ومع ذلك، لا يزال بعض مثقّفينا يصرّ على قراءة المشهد بعين العاطفة:
إما بسذاجة تُحوّل السيّاسة إلى شعارات، أو بأدلجة تبرّر كل شيء، حتى الوقوف مع أنظمة سحقت شعوبها، وواجهت مطالبها في الحرية والكرامة بالحديد والنار.
إن أخطر ما يُصيب أمةً هو أن تُخدَع وهي تظنّ نفسها منتصرة، وأن تُساق إلى معارك غيرها، وهي ترفع رايات لا تعبّر عنها.



إرسال التعليق