من الفصائلية إلى المؤسسية: تحديات دمج القوى المسلحة في العراق
د. حسام البدري
يرى الأمريكي هنتنغتون في كتابه النظام السياسي في المجتمعات المتغيرة:
“إنّ أخطر أشكال عدم الاستقرار لا تنتج عن غياب السلطة، بل عن عجز المؤسسات عن احتواء القوة”. ومن هذه المقاربة يمكن فهم التعقيد البنيوي الذي يحيط بملف دمج الفصائل المسلحة في العراق؛ فالمسألة لا تتعلق بإعادة ترتيب تشكيلات قتالية داخل هيكل الدولة فحسب، بل ترتبط بطبيعة النظام السياسي ذاته، وقدرته على الانتقال من منطق تعدد مراكز القوة إلى منطق المؤسسة السيادية الواحدة.
فالدولة الحديثة، وفق أدبيات العلوم السياسية، لا تُقاس بعدد مؤسساتها الإدارية أو امتدادها البيروقراطي، بل بقدرتها على احتكار أدوات العنف ضمن منظومة قانونية مركزية. وعندما تظهر قوى مسلحة تمتلك شرعية اجتماعية أو أيديولوجية أو سياسية خارج الاحتكار التقليدي للدولة، يدخل النظام السياسي في ما يُعرف بـ”إشكالية السيادة المزدوجة”، أي وجود سلطة رسمية للدولة تقابلها سلطة فعلية تفرضها موازين القوة على الأرض.
وهنا تبرز المفارقة الجوهرية: هل تسعى الدولة إلى دمج الفصائل داخل مؤسساتها، أم أنّ الفصائل تعيد تشكيل الدولة نفسها وفق هندسة النفوذ التي تمتلكها؟
لقد أظهرت تجارب عديدة أنّ الدمج الإجرائي للقوى المسلحة لا يقود بالضرورة إلى بناء الاستقرار، بل قد يُنتج ما يمكن تسميته بـ”السيادة المنقوصة”، حيث تحتفظ الدولة بشرعيتها القانونية، فيما تحتفظ الجماعات المسلحة بفائض الردع والتأثير الاستراتيجي، الأمر الذي يؤدي تدريجيًا إلى هشاشة البنية السياسية وتآكل مركزية القرار السيادي.
ومن هنا، فإنّ التحدي الحقيقي لا يتعلق بدمج السلاح بقدر ما يتعلق بإعادة هندسة الوعي الذي يحمل السلاح؛ أي نقل الولاء من الجماعة إلى الدستور، ومن الرابطة الأيديولوجية إلى العقل المؤسسي، ومن الشرعية التعبوية إلى الشرعية السيادية. فالمعضلة لا تكمن في وجود القوة فقط، بل في المرجعية التي تمنح هذه القوة معناها السياسي وحدود استخدامها.
وبدون هذا التحول، تدخل الدولة في طور “السيادة المتشظية”، حيث يتعايش الاحتكار القانوني للعنف مع تعددية كامنة في مرجعيات استخدامه، فتبدو الدولة موحدة شكليًا، بينما تعمل داخلها أنماط متوازية لإنتاج القوة والقرار.
وعليه، يتأسس السؤال الأكثر تعقيدًا:
هل تنجح الدولة في تحويل السلاح من رأسمال أيديولوجي عابر للمؤسسة إلى وظيفة سيادية خاضعة للعقل الدستوري، أم أنّ البُنى ما دون ـ الدولتية ستعيد إنتاج نفسها بوصفها منظومات نفوذ كامنة داخل المؤسسة الرسمية ذاتها؟



إرسال التعليق