مشروع الدين الإبراهيمي ..

مشروع الدين الإبراهيمي ..

يُثار في السنوات الأخيرة حديث متزايد حول ما يُسمى بـ”الدين الإبراهيمي”، ويُقدَّم أحيانًا باعتباره إطارًا عالميًا للتسامح والتعايش والسلام بين أتباع الديانات السماوية. ومن حيث المبدأ، فإن الدعوة إلى احترام الإنسان ونبذ الكراهية والتعاون بين الشعوب قيم نبيلة لا يختلف عليها عاقل، لكن الجدل الحقيقي لا يدور حول هذه القيم، بل حول الطريقة التي يُراد بها تحقيقها.
فالملاحظ أن بعض الطروحات المرتبطة بهذه الفكرة لا تكتفي بالدعوة إلى التعايش بين الأديان، وإنما تسعى إلى التركيز على المشتركات وإهمال أو إعادة تفسير المسائل العقائدية والتشريعية التي تمثل جوهر كل دين وهويته الخاصة. وهنا يبرز السؤال: هل المطلوب هو التعايش بين المختلفين مع احتفاظ كل طرف بعقيدته، أم إنشاء مساحة فكرية جديدة تصبح فيها الخلافات العقدية مجرد تفاصيل ثانوية؟
التاريخ يعلمنا أن الأديان لم تستمر عبر القرون لأنها اتفقت في كل شيء، بل لأنها حافظت على خصوصيتها العقدية والفكرية مع قدرتها على التعايش مع الآخرين. أما محاولة تجاوز هذه الخصوصية تحت أي مسمى، فقد تؤدي إلى تمييع الحدود الفاصلة بين العقائد وتحويل الدين من منظومة إيمان متكاملة إلى مجموعة قيم عامة قابلة للتعديل وفق المتغيرات السياسية والثقافية.
كما أن استخدام الرموز الدينية في مشاريع سياسية يثير تساؤلات مشروعة. فالسياسة بطبيعتها قائمة على المصالح المتغيرة، بينما تقوم العقائد الدينية على الثوابت والمعتقدات الراسخة. وعندما يمتزج المجالان بصورة مفرطة، قد تتحول القداسة الدينية إلى أداة تمنح الشرعية لمشروعات سياسية بدلاً من أن تكون معبرة عن حقائق الإيمان نفسها.
إن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى دين جديد ولا إلى إعادة صياغة العقائد، بل يحتاج إلى العدل واحترام الحقوق ووقف الاعتداء على الشعوب والأوطان. فالتعايش بين البشر لا يتحقق بإلغاء الاختلافات أو تذويبها، وإنما بالاعتراف بها واحترامها، مع الاتفاق على قواعد عادلة تحفظ الكرامة الحقوق.

د محمد ابراهيم بسيوني

إرسال التعليق