أخطر 24 ساعة من تاريخ دولة
آخر 24 ساعة في حياة رئيس جمهورية .. ساعات قبل الموت
دقيقة بدقيقة
في الساعات الأخيرة قبل موت رئيس جمهورية ، تزدحم الأحداث و تأتي شهادات الاشخاص المقربين من الرئيس لتوثيق أحداث مفصلية في التاريخ ، السيدة تحية تروي احداث اليوم الاخير فى حياة زوجها جمال عبد الناصر …
لبث الرئيس فى فندق الهيلتون.. وكنت أتتبع الأخبار فى الجرائد والإذاعة والتليفزيون. وفى يوم الأحد 27 سبتمبر 1970م ، وكنت جالسة أمام التليفزيون وكانت نشرة الأخبار الساعة التاسعة مساء تقرؤها المذيعة سميرة الكيلانى، وقالت: لقد تم الوفاق واختتم المؤتمر أعماله، وغادر الضيوف من الملوك والرؤساء القاهرة، وكان فى توديعهم الرئيس وسيغادر الباقى غدا.. فهللت من الفرحة وصفقت بيدى، وكانت ابنتى منى حضرت فى هذه اللحظة، وبعد انتهاء نشرة الأخبار قالت لى: نشاهد يا ماما فيلما فى السينما؟ ونزلنا للدور الأول. وفى الساعة العاشرة والنصف جاء لى السفرجى يقول: لقد حضر سيادة الرئيس.. فقلت لمنى: فلتكملى أنت الفيلم وسأصعد، وتركتها. دخلت الحجرة وجدت الرئيس راقدا على السرير.. صافحته بحرارة وقلت له: الحمد لله لقد سمعت نشرة الأخبار وفرحت جدا وهللت.. فقال: الحمد لله.. وكان قد طلب العشاء وسألنى: هل تناولت عشاءك؟ فقلت: نعم.. وجلست معه ولم يأكل إلا لبن زبادى ورجع إلى السرير. لم تستكمل منى مشاهدة الفيلم وطلعت ودخلت حجرة والدها وصافحته وجلست معه على طرف السرير، وحضر خالد أيضا وصافحه وجلسا فى الحجرة قليلا يتحدثان مع والدهما.
ظل الرئيس يتحدث فى التليفون حتى الساعة الثانية عشرة ثم قال: سأنام مبكرا، وغدا سأذهب فى الصباح لتوديع الملك فيصل وأمير الكويت.. وأطفأ النور ونام. فى الصباح استيقظ الرئيس قبل الثامنة، وحضر الطبيب الخاص وكنت قد قمت وخرجت من الحجرة ودخلت حجرتى، استعدادا للدخول للرئيس فى حجرته لأتناول معه الإفطار فدخل لى فى الحجرة لتحيتى قبل خروجه وقال: سأذهب للمطار.. ووجدت الإفطار قد جهز فى حجرته ولم يتناول شيئا، وعلمت أنه تناول فاكهة فقط. رجع الرئيس فى الساعة الثانية عشرة وحضر الطبيب الخاص ودخل له، وكنت سأدخل للرئيس ووجدت الدكتور يجرى له فحص رسم قلب فرجعت ولم أدخل له فى الحجرة، ثم بعد ذلك خرج الرئيس مرة ثانية لتوديع أمير الكويت. رجع الرئيس من المطار فى الساعة الثالثة بعد الظهر، وعند خروجى من حجرتى وجدت ابنتى هدى تستعد لتذهب إلى بيتها بعد أن انتهت من الشغل، وكانت تجلس فى مكتب والدها فى الدور الثانى تعمل سكرتيرة له منذ عام. وكان الرئيس بعد مضى بضعة شهور من شغلها معه قال لى: إن هدى الآن تدربت على العمل معى وتعلمت وتريحنى.. وكان سعيدا بها. قالت لى هدى بصوت خافت.. وكنت قد مشيت حتى باب حجرة النوم: إن بابا تعبان وسينام.. فرآنى وقال: تعالى يا تحية.. فدخلت الحجرة، وأشار لى بيده وهو راقد على السرير أن أجلس.. فجلست على طرف السرير فسألنى: هل تناولت الغداء يا تحية؟ قلت: نعم تناولته مع الأولاد.. فقال لى: أنا مش هاتغدى.. وأشار لى بيده أن أبقى كما أنا جالسة.. فبقيت حوالى عشر دقائق وهو راقد لم يتكلم. وحضر الدكتور الصاوى حبيب فقال له الرئيس: ادخل يا صاوى فدخل، وقمت كعادتى عند دخول الأطباء له فى الحجرة وخرجت إلى المكتب، فقال الدكتور: نريد عصيرا.. فذهبت وأحضرت عصير برتقال وليمون جهزته بنفسى بسرعة وحملتهما ودخلت له فى الحجرة..وقلت: هذا برتقال محفوظ وليمون طازج فقال: آخذ برتقال، وشرب الكوب وأنا واقفة وقال لى: متشكر. خرجت من الحجرة وجلست فى حجرة المكتب، وبعد دقائق حضر طبيب اختصاصى.. منصور فايز فقلت له بالحرف: أنت جيت ليه يا دكتور دلوقتي؟ أنا لما بأشوفك بأعرف إن الرئيس تعبان وبأكون مشغولة.. فرد: أنا معتاد أن أحضر كل أسبوع فى يوم الاثنين واليوم الاثنين.. ودخل للرئيس. بقيت جالسة فى حجرة المكتب وسمعت الرئيس يتحدث، وسمعت الراديو.. نشرة الأخبار فى إذاعة لندن. قالت لى منى ابنتى: بابا بخير والحمد لله.. تعالى نخرج من هنا. وخرجت معها وجلسنا على الترابيزة فى حجرة السفرة، وبعد دقائق جاء لى الطبيب الاختصاصى وقال: الرئيس الآن تحسن وإذا أردت الدخول له فلتدخلى.. وأخذ يدخن سيجارة فقلت له: لا داعى حتى لا يشعر بأنى قلقة. بعد لحظات جاء الدكتور الصاوى يجرى مسرعا قائلا: تعال يا دكتور.. ودخل الدكتور يجرى، ودخلت لحجرة المكتب ومنعتنى منى من الدخول لوالدها وقالت: إن بابا بخير لا تخافى يا ماما، وأجلستنى فى حجرة المكتب وجلست معى. وبعد فترة حضر دكتور آخر ثم ثالث.. فدخلت عنده ووجدت الأطباء بجانبه يحاولون علاجه.. وكنت أبكى وخرجت حتى لا يرانى الرئيس وأنا أبكى، ثم دخلت له مرة ثانية وازداد بكائى وخرجت وجلست فى حجرة المكتب، ودخل عدد من السكرتارية، ثم حضر حسين الشافعى ومحمد حسنين هيكل.. وكل واحد يدخل الحجرة ولا يخرج منها.. وكنت أبكى. أصرت منى على أن أخرج إلى الصالة فكنت أمشى وأقول: جمال جمال.. ووجدت الكل يخرج وينزل السلالم فدخلت مسرعة.. رأيت حسين الشافعى يخرج من الحجرة يبكى ويقول: مش معقول يا ريس. وحضر خالد وعبدالحكيم فى هذه اللحظة ولم يكونا فى البيت ولا يدريان شيئا، ودخلا مسرعين، وحضرت هدى وكانت لا تعلم بما جرى بعد ذهابها لبيتها. دخلت للرئيس ووقفت بجواره أقبله وأبكيه، ثم خرجت من الحجرة لاستبدل ملابسى وألبس ملابس الحداد. ونزلت مسرعة إلى الدور الأول ووجدت الكل.. الأطباء والسكرتارية وهيكل وحسين الشافعى وأنور السادات حضر.. والكل واقف فى الصالون. قلت لقد عشت ثمانية عشر عاما لم تهزنى رئاسة الجمهورية ولا زوجة رئيس الجمهورية وسوف لا أطلب منكم أى شىء أبدا.. أريد أن يجهز لى مكان بجوار الرئيس لأكون بجانبه.. وكل ما أرجوه أن أرقد بجواره. خرجت إلى الصالة وجاء لى هيكل والدكتور الصاوى وطلبا منى أن أصعد للدور الثانى، ثم أدخلنى الدكتور حجرتى وأعطانى بضع حبات دواء وظل بجانبى، ثم أعطانى حقنة. وحضرت إحدى قريباتى وظلت معى، وجاء عبدالحميد من إسكندرية ودخل لى فى الحجرة وهو يبكى، وقال: لقد قالوا لى إن بابا تعبان وحضرت فى طائرة، ودخلت هدى ومنى.. ولم أدر كم مضى من وقت.. فقمت لأخرج من الحجرة فقال لى الدكتور: لماذا قمت؟ فقلت سأذهب وأجلس بجانبه.. فقالت هدى: لقد ذهب بابا لقصر القبة.. وذهبنا معه.. فقلت: حتى الآن أخذوه! والآن أعيش المرحلة الثالثة من حياتى حزينة أبكيه.. وقد زاد حزنى حسرة، وسأظل أبكيه حتى أرقد بجانبه فى جامع جمال عبدالناصر بمنشية البكرى.. وقد جهز لى المكان كما طلبت. إنه جمال عبدالناصر الذى عاش عظيما.. وهو فى رحاب الله عظيم.. تاريخه وحده هو شاهده.
تحية عبد الناصر



إرسال التعليق