تعاليقرأي

فن التهميش في المجتمعات العربية

حسام علي

يقول أفلاطون: إن المستبد يستولي على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف، وهو ما ينفك يفتعل الأزمات ليظل الشعب بحاجة مستمرة إليه كحاكم قائم على أمل حلحلته الوضع المتأزم (المفتعل). وهكذا يظل هذا الحاكم في السلطة ويعيش بأمان، نظراً لممارسته ألاعيب الأنظمة الديكتاتورية السائدة، المتمثلة في نشر الجهل وإشاعة الفوضى والعمل بطرق غير مباشرة على تغييب سلطة القانون وتحويله الى مجرد حبر على ورق، كذلك النيل من هيبة عدالة القضاء نتيجة إفشاء الرشوة والتحايل، وكل ما يمت بضروريات الحياة المتمدنة، مقابل سيادة سلطة العشيرة وقوانينها البالية المتخلفة التي طالما تحولت إلى واجهة واسعة لانحطاط وعي المواطنين.
التهميش والاضطهاد باحتراف إزاء الشعب، الضعيف، هو أيضاً أحد ألاعيب الحاكم المستبد، ذلك أن تهميش فئات مختلفة من الشعب، لهو منهج اختصت به الأنظمة الديكتاتورية بامتياز، العربية على وجه التحديد.
في السابق، كانت بعض الشرائح في المجتمع، ونتيجة تدني ثقافاتها تبعاً لتدني مستوياتها العلمية والاكاديمية، كانت متدنية ومهمشة اجتماعياً أيضاً، ولا تتمتع بمزايا مجتمعية لائقة أو بنظرة ذات افتخار وقيمة. كالخباز والحداد والنجار وعامل الزبالة وسائق التاكسي وأصحاب ورش التصليح الفنية المنزلية وميكانيكيّ السيارات وغيرهم. فحين كان يرتاد إليهم معلم أو موظف حكومي آخر، كانت الهيبة تشع من هؤلاء المرتادين، فينهض الحداد أو النجار من مكانه احتراماً للموظف.
أما اليوم، فقد امتدت وتوسعت حالات التهميش لتنال من شرائح مثقفة ومتعلمة بعضها متخصص في مجالات علمية أو أدبية وفنية وغيرها، بل في كثير من الحالات، وللأسف، قد انقلب الوضع السابق تماماً، في العراق على سبيل المثال، حين أصبح المعلم، أساس ثقافات الأوطان، هو من يبادر بالسلام والاحترام على صاحب فرن أو صاحب تاكسي أو أي عامل تصليح، مقابل شيوع حالة عدم إبداء احترام مناسب أو لائق من قبل صاحب الفرن او صاحب التاكسي للمعلم مثلاً، ذلك أن عامل الفرن او غيره، يجهل تماماً قيمة المعلم أو أي موظف حكومي حاصل على شهادة تخرج. لماذا؟ الجواب هو بسبب سعي الحكومة المستبدة الديكتاتورية لإزاحة الأدوار الاجتماعية لشرائح ذات قيمة وأهمية (نضالية) أو (توعوية)، تكون مشجعة لفئات أخرى من الشعب على كشف حقائق يومية لممارسات احتكارية سلطوية وقمعية وممارسات فاسدة، لهذا النفر أو ذاك ممن يتمتعون بمناصب إدارية وغيرها في الدولة، أي جعل أدوار المعلمين وتأثيرهم في الآخرين، مهمشاً وغير ذي قيمة أو أهمية تذكر. بصريح العبارة، فأن السبب يتلخص بأن يصبح المعلم أو أي موظف آخر متعلم، غير محترم في المجتمع، وأولى مظاهره أن يصبح فقير الحال، لكي يفقد الفرصة الحقيقية لمزاولة وظيفته الوطنية !!
فحين يكون دور المعلم ضعيف بنظر تلاميذه، وبنظر المجتمع، حينها سيسقط هذا المعلم ويفقد سحره، فيصبح غير ذي تأثير على تلاميذه أو طلابه. بما يؤمّن للسلطة الحاكمة، إزاحة أحد الركائز المؤثرة في تنشئة جيل رافض ومقاوم أو جيل متجدد يبحث ويستقصي في أساليب وطرق التشكيك بسياسة الحكومة وبنود قوانينها التي تصوغها بيدها. أيضاً وفي ذات الوقت، تصبح خطابات الساسة الاستبداديين الديكتاتوريين، سارية المفعول ولها تأثيرات معنوية شديدة على شرائح المجتمع، فتراهم دائماً ما يصفقون ويهتفون بالروح بالدم نفديك يا ….، وذلك لجهلهم وغباءهم.
العاهرة مثلاً، و روادها والمروجين لها، يتمتعون بأدوار مؤثرة ومتعددة في أغلب المجتمعات العربية، وهم أهم وأفضل وأجل إكراماً، من دور المثقف الجامعي الذي أفنى حياته بقراءة الكتب المنهجية وغير المنهجية، والتعلم والبحث وسهر الليالي. مثلما حصل في أحد المرات، حين توسطت إحدى الراقصات في دولة عربية، بنقل موظف من محل عمله في محافظة الى محل عمل جديد في محافظة أخرى، وحينما اشتكى الموظف أمره لمديره، وأراد مديره إبراز عضلاته للموظف وللراقصة، تم نقل المدير هو الاخر، بمكالمة تلفونية بسيطة من لدن، الراقصة.
هكذا مجتمعات، لا يمكن أن نتوسم منها حالة عصيان أو رفض بوجه السلطة الحاكمة، ما دام أن التهميش قد حقق غاياته وكسب مطالبه. على هذا الأساس، حين يتولى جهلة فاسدون أخلاقياً وإدارياً، مناصب في دولة، يكون بنظر المجتمع، المهمش، أمراً عادياً بل أمراً مهماً لهؤلاء الفاسدين، وربما يكون وصول الفاسدين عن طريق صناديق اقتراع، جلّ ناخبيها من المطبلين والراقصين والمستفيدين من بروز أدوارهم في المجتمع على حساب المثقفين والأكاديميين في جامعات وغيرها. خاصة عندما يغدق الفائز بالمنصب، بأموال ومزايا أخرى لثلة المهمشين الاغبياء، تضمن له البقاء أطول فترة ممكنة، وبأمان.
فراتب الخباز أو سائق التاكسي أو عامل التصليح الميكانيكي، عندنا يعلو على راتب المعلم وأستاذ الجامعة والكاتب والصحفي وغيرهم ممن على شاكلتهم، حينئذ، ستهبط قيمة العلم وتهوي الدوافع الأساسية للتعلم وحثّ الأبناء على مواصلة الدراسة. ما يعني، أن عوامل الجهل وتفشي الأمية ستكون أمراً بديهياً لا مناص للتخلص منهما. فيحل شعار أنا خباز وافتخر، محل أنا معلم وافتخر، في المجتمع.
في الحقيقة هي ليست حملة ضد أصحاب المهن والحرف اليدوية الحرة، فلكل منهم دوره المهم في المجتمع، لكنها حملة للوقوف ضد عمليات التهميش التي تمارسها الحكومات المستبدة، حين تتعمد بإسقاط قيمة المعلم أو الموظف الذي لا يجوز تعيينه إلا بشرط حصوله على البكالوريوس أو الاعدادية كحد أدنى.
سابقاً، والكل يتذكر، حينما يوافق أهل العروس مبدئياً على تقدم أحد الشباب لخطبة ابنتهم، كان أول سؤال يسألونه عنه، هو: ما هو عملك؟ فإن كان عمله من ضمن الاعمال الحرة، أي ليس موظفاً رسمياً، فأن أهل العروس يتململون ويترددون في الموافقة على تزويج ابنتهم. أما اليوم، فحين يكون العريس المتقدم للزواج صاحب مهنة حرة، وليس شرطاً أن يكون متعلماً أو مثقفاً، فهو في هذا الحال يكون عريساً مرحباً به ويحمل على الاكتاف.
إذن، هذا هو المطلوب من تهميش الطبقات المثقفة في أغلب المجتمعات العربية. فكلما تمكنت الحكومات المستبدة والديكتاتورية من الإبقاء على حالات الجهل والتخلف والانجرار وراء عادات وتقاليد قديمة، بل الحرص على إحيائها بكل تفاصيلها وربما بتفاصيل جديدة مبتكرة ومتطورة تنم عن أساليب جهل وغباء أكثر، كلما ضمنت هذه الحكومات، بقاؤها على كراسي الحكم أطول مدة ممكنة. وصح النوم يا شعوب العرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى