لماذا لا يشاطر الشعب الفلسطيني قياداته في تفاؤلهم؟
برزت مؤخراً ثلاثة أحداث دفعت السياسيين الفلسطينيين للتفاؤل، حتى وإن لم
يكن لهم دور في حدوثها، وهي:
• التحولات في الرأي العام العالمي لصالح عدالة القضية الفلسطينية:
وهو ما تجلى في المظاهرات والمسيرات المؤيدة لفلسطين وروايتها، وتزايد
الاعترافات بحق الشعب الفلسطيني في أن تكون له دولة حتى تحت الاحتلال،
مقابل تراجع الرواية الصهيونية. وآخر تجليات هذا التحول ما جرى في
الانتخابات النصفية الأمريكية وهزيمة ترامب واللوبي الصهيوني اليهودي.
• الصحوة الوطنية لفلسطينيي الداخل: المتمثلة في حصولهم على 19
مقعداً وكثافة إقبالهم على التصويت، مما يدل على فشل الحكومة واليمين
اليهودي المهيمن في إسرائيل في كسر عزيمتهم وتمسكهم بهويتهم الفلسطينية،
مما يجعلهم العقبة الأهم في وجه “يهودية الدولة”.
• تراجع التأييد لنتنياهو: ووجود مؤشرات على عدم قدرته على تشكيل
حكومة جديدة والعودة للسلطة، وتكليف أيزنكوت بذلك، مع أنه لا فرق كبيراً
بين الطرفين.
بالرغم من أهمية هذه التحولات—وهي ليست عابرة بل تعبر عن تغيير بنيوي
عميق في المجتمعات الغربية—إلا أنها لا تنوب عن الفعل الذاتي الفلسطيني؛
حيث لا نستبعد جهداً صهيونياً مكثفاً مدعوماً بالدولة العميقة الأمريكية
للحد من تأثير هذه التحولات الإيجابية، في ظل غياب حاضنة وإستراتيجية
وطنية وعربية توظف هذه التحولات لصالح القضية.
مع التأكيد على أن هذه التحولات هي لصالح عدالة القضية بالمفهوم المطلق
والمجرد، وليس لصالح حزب أو عنوان فلسطيني محدد؛ لا لحركة حماس وفصائل
المقاومة والإسلام السياسي الذين يرجعون الفضل فيما جرى لطوفان حماس وفعل
المقاومة المسلحة، ولا لمنظمة التحرير وحركة فتح والسلطة، حتى وإن كان
لإصرار القيادة على التسوية السياسية وحل الدولتين والالتزام بالشرعية
الدولية دور في عقلنة موجات التأييد الدولي. فلم نشاهد خلال كل المسيرات
التي تمت في كثير من المدن والعواصم عبر العالم أي راية أو شعار أو هتاف
لأي حزب فلسطيني، باستثناء مسيرات محدودة نظمتها جماعات الإسلام السياسي
في بعض الدول العربية حيث رفعوا راية حركة حماس وصور قادتها.
وإن كانت هذه التحولات تدفع السياسيين ونخبهم في السلطتين للتعبير عن
سعادتهم وتفاؤلهم بما جرى، سواء كانوا في رام الله، أو قطر، أو تركيا، أو
مصر، فإن غالبية الشعب لا تشعر بفرحتهم؛ إذ إن إحساس الشعب ومصالحه هما
مقياس الحقيقة وليس شعارات ومراهنات السياسيين، الذين ما زالت أمورهم
المادية والحياتية بخير ويتنافسون للظهور عبر الفضائيات ووسائط التواصل
الاجتماعي وهم في أجمل هيئة والصحة بادية على وجوههم، ويرسلون الكلام
جزافاً دون حسيب أو رقيب.
فكيف يشاطرهم فلسطينيو القطاع الفرحة ويفكرون بالأبعاد الإستراتيجية
المحتملة لهذه التحولات، بعد ما تعرضوا له من موت ودمار وتنقل من خيمة
لأخرى؟ وحتى الخيمة لم تعد تحميهم، حيث عصفت الأمطار خلال اليومين
الأخيرين بحوالي 70 ألف خيمة يعيش ساكنوها الآن في العراء! وكيف
يشاطرونهم الفرحة وهم منشغلون بالبحث عن الدواء وربطة الخبز أو كسوة
لأطفالهم؟ وكيف يتفاءلون وأولادهم للعام الرابع دون تعليم، وخطر التهجير
يخيم فوق رؤوس الجميع، بل حتى باتوا يطلبون الهجرة من القطاع بعد أن أصبح
غير قابل للعيش فيه؟
ونفس الأمر بالنسبة لفلسطينيي الضفة الغربية الذين يسرق المستوطنون أرضهم
ومواشيهم، ويهدمون منازلهم، ويقطعون أرزاقهم، ويضيق عليهم الجيش الحياة
وسبل العيش بحوالي ألف حاجز قطعت أوصال الضفة وكل الضفة تخضع للسيادة
الإسرائيلية كما قطاع غزة . وكيف يفرح ويتفاءل خيراً مَن استُشهد أبناؤهم
أو فُقدوا خلال الحرب؟ ونفس الأمر بالنسبة لحوالي 9 آلاف أسير.
يمكن للشعب أن يفرح ويتفاءل ويصدق القيادات السياسية، والتي للمرة
الأولى—وهو الأمر الغريب—تتفق على أن النصر قريب؛ سواء من طرف حماس
والمتدينين الذين يقولون: (إنما النصر صبر ساعة) و (ما بعد الضيق إلا
الفرج) وإن كل ما جرى ضريبة النصر الذي تحقق! أو الطرف المقابل الذي يقول
إننا في ربع الساعة الأخير من النصر وقيام الدولة ولا أحد يعرف كم مدة
الربع ساعة المتبقية: سنة أو عشرة أو مائة؟
يمكن للشعب مشاطرتهم التفاؤل فقط في حالة تحويل هذه الإنجازات المجردة
إلى فعل ملموس على أرض الواقع؛ بوقف الاستيطان وهدم البيوت في الضفة
الغربية، أو بوقف الموت اليومي والمجاعة في قطاع غزة، أو على أقل تقدير:
إنهاء الانقسام وتشكيل قيادة موحدة وعنوان واحد يتجاوز ما هو موجود.



إرسال التعليق