بعد الانتخابات .. مصير أسود لـ إيتامار بن غفير

بعد انقضاء السحر الانتخابي: مأزق إيتامار بن غفير والمحاكمة المؤجلة
لم يكن إيتامار بن غفير مجرد ظاهرة شعبوية عابرة في السياسة الإسرائيلية، بل كان تجسيداً صارخاً لتحول اليمين المتطرف من هامش الخطاب السياسي إلى مركز صنع القرار. ومع ختام الدورات الانتخابية وتغير الخارطة السياسية، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً وحرجاً في الشارع الإسرائيلي والمحافل القانونية: ما هو المصير السياسي والعدلي لبن غفير بعد الانتخابات؟ وهل تنتهي رحلته الحافلة بالاستفزازات أمام منصات القضاء الإسرائيلي؟
أولاً: الظاهرة البن-غفيرية.. النفوذ القائم على الحصانة الحكومية
تبوأ بن غفير وزارة الأمن القومي ليس بناءً على خبرة إدارية أو برنامج أمني رصين، بل كجزء من صفقة ائتلافية فرضها بنيامين نتنياهو لضمان بقائه في السلطة. واستغل بن غفير هذا المنصب لتوسيع نفوذه، وتسييس جهاز الشرطة، وتطبيق أفكار كاهانية طالما صُنفت حتى في القانون الإسرائيلي نفسه على أنها تحريضية وخارجة عن الأطر الشرعية.
طوال فترة وجوده في الحكومة، شكلت الحصانة الوزارية والحاجة الائتلافية درعاً حامياً له من المساءلة القانونية والقضائية. لكن مع تغيّر الخارطة الانتخابية وفقدان الأغلبية التي تشكل مظلة الحماية، يتجرد بن غفير من قوة الابتزاز السياسي، ليجد نفسه واجهاً لوجه أمام تركة ثقيلة من الانتهاكات والسلوكيات التي انتظر القانون تحين الفرصة لمواجهتها.
ثانياً: المأزق القانوني.. هل يمثل بن غفير أمام المحاكمة؟
إن احتمالية محاكمة إيتامار بن غفير داخل إسرائيل بعد خروجه من السلطة ليست مجرد سيناريو افتراضي، بل هي مسار له معطيات قانونية وواقعية جادة، وتتركز في عدة محاور أساسية:
1. قضايا التحريض على العنف والترهيب
قبل دخوله الكنيست، أدين بن غفير في أكثر من 8 قضايا جنائية تتعلق بالتحريض على العنصرية ودعم منظمات إرهابية (مثل حركة “كاخ” المنحلة). وفي فترة توليه الوزارة، تضاعفت ملفات التحريض الصادر عنه، سواء ضد العرب في الداخل أو الفلسطينيين في الضفة، وصولاً إلى التصريحات الداعية للتطهير العرقي وتوزيع السلاح دون ضوابط قانونية. إن زوال الحصانة يفتح الباب أمام المستشارة القضائية للحكومة والادعاء العام لإعادة فتح هذه الملفات أو تقديم لائحة اتهام جديدة بتهمة “التحريض المباشر على العنف”.
2. تجاوز الصلاحيات وتسييس جهاز الشرطة
خلال حقبته الوزارية، رصدت مؤسسات حقوقية وقانونية تتدخلات مباشرة من بن غفير في عمل قيادات الشرطة وتوجيه الأوامر الميدانية، وهو ما يخالف القانون الأساسي الإسرائيلي. هذا التجاوز للصلاحيات قد يتبلور في استدعاءات قضائية بتهمة “إساءة استخدام السلطة” و”خيانة الأمانة”، وهي تهم طالما تلاحق السياسيين الإسرائيليين بعد مغادرة مناصبهم.
3. ملاحقات الجنائية الدولية وأثرها الداخلي
على الصعيد الدولي، تضع التصريحات المتطرفة لبن غفير والأفعال التي شجع عليها في الضفة وغزة تحت طائلة الملاحقة أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. هذا الضغط الدولي قد يدفع النظام القضائي الإسرائيلي -ضمن آليته الدفاعية الذاتية لحماية نفسه من التدخل الدولي- إلى فتح تحقيقات محلية محايدة لمساءلته، تماشياً مع مبدأ “التكامل” في القانون الدولي.
ثالثاً: العقبات التي قد تحمي بن غفير من السجن
رغم التهم المعقدة والسجل السلوكي الصارخ، فإن محاكمة بن غفير وسجنه لن تكون عملية سهلة، وذلك لعدة أسباب تكتيكية وسياسية:
- شعبية القاعدة الانتخابية: يمتلك بن غفير قاعدة جماهيرية متطرفة لكنها متماسكة وشديدة التعبئة. أي محاولة لمحاكمته ستُصور من قبل أنصاره على أنها “تصفية حسابات سياسية” من قِبل ما يسمونه “دولة العمق” (Deep State) واليسار القضائي، مما قد يهدد باضطرابات داخلية تخشاها الأجهزة الأمنية.
- المرونة والمناورة القانونية: يمتلك بن غفير خلفية حقوقية (كونه عمل محامياً لسنوات في الدفاع عن عناصر اليمين المتطرف)، وهو يعرف جيداً الخطوط الفاصلة بين ما يعتبر “حرية تعبير سياسي” وما هو “جرم يعاقب عليه القانون”، مما يجعله قادراً على المناورة والتملص الإجرائي.
- سياسة التوازنات الحكومية: قد تسعى أي حكومة جديدة إلى تجنب فتح ملفات الماضي تفادياً لتعميق الشرخ المجتمعي الإسرائيلي، وتفضل في كثير من الأحيان الإبعاد السياسي على الملاحقة القضائية المكلفة شعبياً.
من سدة الحكم إلى هامش التاريخ
سواء انتهى الأمر بإيتامار بن غفير في قاعة المحكمة خلف قضبان الاتهام، أو تم تحييده عبر عزلة سياسية وفرض طوق قانوني يمنعه من العودة للمناصب التنفيذية، فإن حقبته تركت جروحاً غائرة في بنيان المجتمع الإسرائيلي ومؤسساته القانونية.
لقد أثبتت تجربة بن غفير أن الشعبوية المتطرفة قد تمنح صاحبها مقعداً في السلطة للوهلة الأولى، لكنها تصبح عبئاً قانونياً وسياسياً بمجرد انقضاء السحر الانتخابي؛ ليبقى السؤال المطروح في أروقة المحاكم الإسرائيلية ليس “هل أخطأ بن غفير؟”، بل “هل يجرؤ القضاء على محاكمته؟”.


إرسال التعليق