اخر الاخبار

المظاهر لا تصنع المكانة…

رشيد مصباح (فوزي)

–

ليس التميّز في المظهر البرّاق، ولا في امتلاك سيارة فاخرة أو هاتف ذكي حديث، ولا في ارتداء ملابس باهظة أو صارخة الألوان. فالإنسان لا ترفعه الأشياء التي يملكها بقدر ما ترفعه أفعاله، وأخلاقه، وما يقدّمه للآخرين من خير.

ويصدق في هذا المقام المثل القائل: «كل إناء بما فيه ينضح». فما يصدر عن الإنسان من سلوك يكشف عمّا يحمله في داخله. وقد يحاول البعض تغطية ضعفهم أو فراغهم باستعراض ما يملكون، أو بما يريدون إيهام الآخرين بأنهم يملكونه، لكن المظاهر، مهما بلغت من البريق، لا تستطيع أن تحجب الحقيقة.

ولعلنا نتذكر الحكاية المشهورة عن النعمان بن المنذر والمعيدي، حين قال الملك: «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه»، فجاءه الرد: «مهلًا أيها الملك، إن الرجل لا يُكال بالصّاع، وإنما بأصغريه: قلبه ولسانه؛ إن قاتل قاتل بجنان، وإن نطق نطق ببيان». وفي ذلك تذكير بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بحجمه أو هيئته، وإنما بما يحمله عقله وقلبه، وبما يستطيع أن يعبّر عنه من فكر وموقف.

فاللّحية لا تصنع فيلسوفًا، كما يقال في العبارة اللاتينية: Barba non facit philosophum، واللباس لا يصنع راهبًا، كما يقول المثل الفرنسي: L’habit ne fait pas le moine. وليس كل من ارتدى مظهر الوقار وقورًا، ولا كل من تحدث بلغة المثقفين مثقفًا، ولا كل من أظهر علامات التديّن ملتزمًا بما تقتضيه من أخلاق وسلوك.

وليس المجتمع كتلة واحدة متجانسة، بل يتكوّن من أفراد تختلف مستوياتهم وظروفهم وطرق تفكيرهم. وهناك من يكتسب مكانته بعمله وكفاءته وسمعته الطيبة، ومن يحظى باحترام الناس لما يتحلى به من أخلاق، بينما يكتفي آخرون بصناعة صورة خارجية يريدون من خلالها انتزاع مكانة لم يكتسبوها بجهد أو استحقاق.

ولا عيب في أن يسعى الإنسان إلى تحسين وضعه، أو أن يحاول تعويض ما فاته من فرص. فالنجاح لا يرتبط بعمر معين، ولا يُغلق بابه في وجه من تأخروا عن بلوغه. لكن المشكلة تبدأ حين يختار المرء وسائل غير سليمة لفرض حضوره، فيجعل من المظهر وسيلة للتعويض عن نقص في المعرفة أو الكفاءة أو الأخلاق، ويتعامل مع الآخرين بفوقية لا تسندها حقيقة.

إن الفشل في تحقيق بعض الطموحات ليس عيبًا في حد ذاته، ولا ينتقص من قيمة صاحبه. لكن العيب أن يتحول الإخفاق إلى شعور زائف بالتفوق، وأن يستعيض الإنسان عن الإنجاز الحقيقي باستعراض ممتلكاته، وعن احترام الناس له بمحاولة إخضاعهم لهيبته المصطنعة؛ ويتحول المظهر إلى أداة للتمييز الاجتماعي، وربما إلى وسيلة لترهيب البسطاء وإشعارهم بالدونية. فهناك من لا يكتفي بأن يستعرض سيارته أو هاتفه أو لباسه، بل يريد أن يقول للآخرين، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إنه أفضل منهم.

والحقيقة أن الإنسان لا يصبح أكبر من غيره بما يعلّقه على جسده، أو يضعه في جيبه، أو يركنه أمام منزله. فقد يكون صاحب المظهر البسيط أرفع قدرًا وأغنى نفسًا ممن يحرصون على لفت الأنظار، وقد يكون الفقير في ماله غنيًا بعقله وأخلاقه، بينما لا يملك صاحب الوجاهة المصطنعة ما يستحق به احترام الآخرين.

فما أكثر من يتقنون صناعة الصورة، وما أقل من يهتمون ببناء الإنسان في داخلهم! وما أكثر من يريدون أن يُهابوا، دون أن يقدموا ما يجعلهم جديرين بالاحترام.

وهل هناك ما هو أكثر إثارة للاحتقار من أن يتخذ المرء من المظاهر البرّاقة، والتصنع، والتكلف في الكلام، وسيلة لترهيب الناس البسطاء وإخافتهم، وكأن التواضع في المظهر أو محدودية الإمكانات دليل على نقص في القيمة الإنسانية؟

إن المكانة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، والإنسان الذي يمتلك قيمة في داخله لا يضطر إلى إقناع الآخرين بها في كل مناسبة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك