اخر الاخبار

لا اريد العيش بعدك يا والدتي

ادوارد كمال

حين ترتحل الأم، لا ينطفئ مجرد صوت دافئ في البيت، بل ينطفئ ركن أساسي من أركان الكون بأسره. تصبح الأيام التي تعقب رحيلها أشبه بطريق طويل وموحش، يسير فيه الإنسان باحثاً عن ظلّ تلك الشجرة الوارفة التي كانت تحميه من لسعات الحياة وقسوتها. تمر السنوات، وتتراكم أوراق الروتين فوق تقويم الزمان، لكن الشوق الحقيقي لا يذبل، بل يتحول إلى كيان صامت يرافق الأنفاس، وكأن الفراق حدث البارحة.

عتبات الغياب: حين تصبح الأماكن خالية

تتغير ملامح البيوت برحيل الأمهات. تصبح الزوايا التي كانت تشهد على حكاياتها وأدعية الصباح أشبه بمتاحف صغيرة لذكريات أبدية. في كل زاوية طيف، وفي كل تفصيلة صغيرة صدى لصوتها الذي لا يغيب.

يمر العام تلو العام، ويظن الناس مع مرور الوقت أن الألم يخفت، لكن الحقيقة أن الإنسان لا يتعايش مع غياب أمه، بل يتعلم فقط كيف يحمل هذا الفراق ثقيلاً في صدره. الأمهات لسن كأي بشر؛ إنهن الوطن الأول، والدرع الخفي الذي يتصدى لغدرات الأيام. وحين يغيب هذا الدرع، يشعر المرء ببرودة غريبة تتوغل في الروحي، بغض النظر عن عمره أو مكانته؛ ففي حضرة الأم، يظل الإنسان طفلاً مهما بلغ من الشيب.

تراتيل الحنين: لغة الدموع الصامتة

في ليالي الوحدة، وحين يشتد التعب بالمرء، ترتد العيون تلقائياً إلى تلك الصور القديمة، باحثة عن نظرة حاننة أو ابتسامة كانت تملك القدرة على محو تعب العالم بكلمة واحدة. تمر السنوات، وتتبدل الأماكن والوجوه، لكن “أمي يا ملاكي” تظل الترانيم الأصدق التي ينبض بها القلب كلما ضاقت سبل الدنيا.

إن قسوة الفراق تكمن في تفاصيله البسيطة؛ في العادة اليومية للسؤال، في الدعاء الذي كان يمهد لك طريقك كل صباح، في الرائحة التي تظل عالقة في ثنايا المكان وكأنها ترفض الرحيل. الغياب الحقيقي ليس غياب الجسد، بل غياب ذلك الأمان المطلق الذي كان يمنحك الطمأنينة بأن هناك من يدعو لك في الغيب بصدق لا تعرفه البشرية جمعاء.

رغم مرارة الفراق وطول السنوات، تظل الأم حاضرة في كل خطوة وخير وفضيلة زرعتها فينا. فالموت لا يستطيع أن ينهي حكاية حب نقية تأسست على التضحية والعطاء بلا حدود. كل عمل صالح نقوم به، وكل خلق حسن نتخلق به، وكل نجاح نحققه، هو في طياته امتداد لروحها الطاهرة ودعواتها المستجابة.

تمر السنوات، ونكبر، وندرك مع توالي التجارب أن الأمهات لا يتركننا حقاً؛ إنهن ينتقلن فقط من سعة البيوت إلى ضيق القلوب، ليعشن فيها أبد الدهر ملائكة حارسين. رحم الله كل أم تركت في الأرض أثراً لا يُحاكى، وسلاماً على أرواحهن الطاهرة في أعلى عليين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك