عقوبات اللاعبين الذين يتسببون في موت أو اصابة لاعب في مقابلة كرة قدم
غالي وناس
تخضع الإصابات والوفيات الناتجة عن الالتحامات داخل ملاعب كرة القدم والرياضات الجماعية في أوروبا لمنظومة تجمع بين القانون الرياضي الإداري والقانون الجنائي المدني.
ويفصل القضاء الأوروبي في هذه الحالات بناءً على مبدأ استقر عليه الفقه القانوني يُعرف بـ “قبول المخاطر الرياضية” (Consentiendo al riesgo / Volenti non fit injuria)، وهو المبدأ الذي يحدد الفارق بين الحادث العرضي والجريمة الجنائية.
أولاً: أطر النظر القانوني (كيف يتعامل القضاء الأوروبي؟)
- مبدأ المخاطر المقبولة (Assumed Risk):
عندما ينزل اللاعب إلى رقعة الملعب، يُفترض أنه يعطي “موافقة ضمنية” على تحمّل الاحتكاكات البدنية العادية والمتوقعة في كرة القدم (كالاصطدام عند الكرات المشتركة، الكدمات، أو حتى الكسور الناجمة عن اندفاع كروي حسن النية). في هذه الحالات، تُستبعد المسؤولية الجنائية وتكتفي الجهات بالعقوبات الانضباطية أو التعويضات المدنية عبر شركات التأمين. - تجاوز الحدود اللائحية وقصد الإيذاء (الإهمال الجسيم):
تتحول الواقعة إلى جريمة جنائية (قتل غير عمد أو اعتداء مفضٍ إلى عاهة/وفاة) فقط إذا ثبت أن اللاعب المعتدي:
- ارتكب خشونة فجة وخارجة تماماً عن قواعد اللعبة ونطاق التنافس على الكرة.
- أظهر إهمالاً جسيماً (Gross Negligence) أو طيشاً لا يتقبله أي معيار رياضي.
- تصرف بـ عمد وقصد جنائي للإضرار بالمنافس (مثل الضرب بعد صفارة الحكم أو خلال المشاجرات).
ثانياً: أبرز السوابق القضائية في أوروبا
تتنوع السوابق القضائية التاريخية والحديثة في الملاعب الأوروبية بين البراءة والإدانة الجنائية بحسب طبيعة التدخل:
- قضية جون بريغز وهنري مور (إنجلترا – 1897):
في واحدة من أقدم السوابق القضائية، قفز المدافع هنري مور خلف المهاجم جون بريغز ووجّه ركبته بقوة نحو ظهره أثناء تسديد الكرة، مما أدى لوفاة بريغز متأثراً بإصابته. انتهت التحقيقات القضائية بإدانة المدافع مور بتهمة القتل غير العمد، بعد أن رأت المحكمة أن طريقة التداخل تجاوزت حدود التنافس المشروعة. - سابقة الملاعب الإيطالية (قضية جينو شروت – 1992):
خلال مباراة رياضية شهدت احتكاكاً جسدياً أدى إلى وفاة أحد اللاعبين إثر ضربة في منطقة حيوية، رفضت المحكمة الإيطالية اعتبار الواقعة مجرد حادث رياضي عادي، وأدانت اللاعب المعتدي جنائياً وفرضت عليه عقوبات مالية وتأديبية نظراً لتجاوزه معايير السلامة المفترضة في اللعبة. - قضايا الاعتداءات اللفظية والجسدية الصريحة (الشرطة البريطانية والفرنسية):
تستقر المحاكم البريطانية والفرنسية على ملاحقة اللاعبين جنائياً بتهمة “الاعتداء الجسدي” (Assault) في حال اندلاع شجار واعتداء باليد أو الرأس بين اللاعبين داخل الملعب (خارج نطاق الكرة)؛ إذ تُعتبر هذه الأفعال جرائم عامة لا تغطيها حصانة الملعب الرياضي. - حوادث الاصطدام العرضي بين الحراس والمهاجمين:
في معظم الحوادث الشبيهة باصطدام حراس المرمى بالمهاجمين أثناء قطع الكرات العالية أو الأرضية، تخلص التحقيقات القضائية عادةً إلى إغلاق الملف دون اتهام جنائي (الوفاة العرضية)؛ حيث يُصنف خروج الحارس وحمايته لمرماه كجزء أصيل من طبيعة المركز واللعبة، ما لم تُثبت لقطات الفيديو والتقارير الشرطية وجود نية مبينة للإيذاء.
ثالثاً: التبعات والمسؤولية المدنية (التعويضات)
بعيداً عن الشق الجنائي، تحدد اللوائح الأوروبية وقوانين العمل الرياضي ثلاثة مستويات للمسؤولية عند حدوث إصابة عاهة أو وفاة:
- مسؤولية التأمين الإجباري: تُكلف الأندية والاتحادات الوطنية بتأمين شامل على حياة وصحة اللاعبين لتغطية التكاليف الطبية وتعويض العائلات في حالات الوفاة أو العجز الدائم.
- المسؤولية التقصيرية للنادي (Vicarious Liability): في بعض القضايا المدنية (مثل قضية اللاعب الإنجليزي دانكون نورفيل ضد نادي تشارلتون)، قضت المحاكم الإنجليزية بإلزام الأندية بدفع تعويضات مالية ضخمة إذا ثبت أن خشناً متعشماً من أحد لاعبيها تسبب في نهائي مسيرة لاعب آخر.
- المسؤولية الطبية والتنظيمية: إذا كان سبب الوفاة ناجماً عن تأخر الإسعافات الأولية أو غياب أجهزة إنعاش القلب (AED) في الملعب، فإن الملاحقة القضائية تتجه مباشرة نحو إدارة النادي والمنظمين بتهمة الإهمال التقصيري في توفير السلامة ووسائل الرعاية الصحية الشاملة.



إرسال التعليق