شبح الخيار الأخير: هل تنجرّ واشنطن إلى العبث النووي أم يحكم المنطق العقلاني الساسة؟

اللواء متقاعد عبد الباقي جبر

حين نتأمل مسار التصعيد العالي في الصراعات الإقليمية الكبرى، تبرز التوقعات والتسريبات المتعلقة باحتمالية اللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي كورقة ضغط قصوى. في الواقع، لم تعد هذه الطروحات جديدة؛ فقد ناقشنا هذا الخيار مراراً كسيناريو نهائي قد تلجأ إليه الإدارة الأمريكية حين تشعر بأنها قد تورطت تماماً في مستنقع الحرب دون أي أفق سياسي أو مخرج مشرف يحفظ ماء وجهها.

ولكن، حين نُخضع هذا الاحتمال لميزان المنطق البحت، سنجد أن تداعيات مثل هذه الضربة تتجاوز بكثير حدود السيطرة، لتصبح كارثة مدمرة حتى على الولايات المتحدة نفسها. وإذا تجاوزنا حساب تأثيرات الكارثة على دول المنطقة —التي غالباً ما تُعامل كمجرد هوامش في حسابات الأمن القومي الأمريكي— فإن الأثر البيئي والجغرافي السيوسي سيمتد ليشمل قوى كبرى مثل باكستان والهند، سيما إذا تم اختيار توقيت استراتيجي يعتمد على حركة الرياح والطقس (مثل شهر نوفمبر). والأدهى من ذلك هو فتح “الصندوق الأسود”؛ إذ إن استخدام السلاح النووي كأداة فعلية في الصراعات المعاصرة سيشرعن استخدامه من قبل دول نووية أخرى، مما يعني ببساطة أن العالم كما نعرفه قد انتهى فعلياً، وهو مآل يتناقض جذرياً مع أي منطق استراتيجي للمنظور الأمريكي الباحث عن ديمومة الهيمنة لا الانتحار الجماعي.

1. التداعيات العكسية: لماذا ستكون الضربة كارثة على أمريكا؟

إن أي تفكير في تنفيذ ضربة نووية محدودة —حتى لو استهدفت مواقع محصنة مثل منشآت عميقة كموقع “جبل الفأس”— يحمل في طياته ارتدادات كارثية على المصالح والوجود الأمريكي للأسباب الآتية:

  • انهيار النظام الدولي: كسر المحظور النووي التاريخي سيُسقط كافة الخطوط الحمراء، ويحول العالم إلى غابة نووية تتقاتل فيها الدول بلا وازع.
  • الرد الانتقامي المطلق: في حال وقعت الواقعة، فإن إيران لن يكون لديها ما تخسره، وستجد نفسها بلا أي خطوط حمراء. هذا يعني أن كافة القدرات العسكرية والردعية التي لم تُستخدم من قبل سيتم توظيفها بشكل انتقامي شرس يطال الكيان الغاصب ودول المنطقة على حد سواء، مع تفعيل أهداف استراتيجية حساسة وموجعة على رأسها مفاعل ديمونة.
  • بداية الحرب لا نهايتها: الوهم بأن الضربة النووية المحدودة ستنهي الصراع هو قراءة ساذجة؛ بل على العكس تماماً، ستكون تلك الضربة البداية الحقيقية لحرب وجودية شاملة لا هوادة فيها.

2. بين عقلانية المصالح وجنون العقائد والنبؤات الكاذبة

عندما نُعمل أدوات التفكير المنطقي والعقاني، فإن استبعاد هذا الخيار يظل هو المرجح؛ فالحسابات الأمريكية الكلاسيكية تقوم على استمرارية الربح وتقليل الخسائر، والقفز نحو الهاوية النووية يتعارض كلياً مع هذه البراغماتية.

ولكن تكمن المعضلة الكبرى في طبيعة العقول التي تدير دفة القرار في لحظات الأزمات الكبرى؛ فحيناً نتعامل مع سياسيين محكومين بنزعات متهورة أو تيارات مسكونة بالدجل والنبؤات التوراتية أو السياسية الكاذبة التي تستعجل “نهاية العالم” أو معارك “آحرون” المزعومة. بناءً عليه، فإن الاحتمال، وإن بدا ضعيفاً من الناحية الاستراتيجية العقلانية، يظل قائماً وممكناً ما دام القرار بيد قوى قد تفقد صوابها حين تشعر بدنو هزيمتها الاستراتيجية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك