زلزال صربيا، ورمية لولا البعيدة، وجمود إسرائيل: ثلاثة انتخابات وسؤال واحد
محمد عبد الكريم يوسف
في غضون أيام قليلة من أواخر أكتوبر 2026، شهد العالم ثلاث انتخابات بالغة الدلالة في ثلاث قارات مختلفة: انتخابات برلمانية في صربيا أطاحت بحكم الكسندر فوتشيتش المستمر منذ اثني عشر عاماً، وانتخابات رئاسية في البرازيل أعادت لولا دا سيلفا لولاية رابعة بعد تأخره في الجولة الأولى، وانتخابات برلمانية في إسرائيل انتهت إلى طريق مسدود بين بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت. قد تبدو هذه الانتخابات الثلاثة، للوهلة الأولى، أحداثاً منفصلة لا يجمعها جامع، نظراً لتباين سياقاتها الوطنية وموازين القوى فيها. غير أن قراءة متأنية تكشف عن سؤال مشترك يطرحه الناخبون في كل من بلغراد وساو باولو وتل أبيب، وهو سؤال المساءلة: “ماذا فعلتم من أجلنا ومن أجل مستقبلنا؟”. يهدف هذا البحث إلى تحليل هذه الانتخابات الثلاثة، وبيان كيف تحوّل هذا السؤال المشترك إلى آلية انتخابية أسقطت حكومات، وأعادت أخرى، وأفضت ثالثة إلى جمود سياسي.
الإطار النظري: المساءلة الانتخابية في زمن الاستياء الديمقراطي
تُظهر الأدبيات المقارنة أن الديمقراطيات تعاني منذ جائحة كوفيد-19 من موجة واسعة من الاستياء تجاه الحكومات القائمة، تغذّيها الضغوط الاقتصادية والتضخم وتراجع الثقة في المؤسسات. ويشير ستيفن ليفيتسكي إلى أن الحزب الحاكم خسر في 41 من أصل 55 انتخابات واستطلاعات جرت بين عامي 2020 و2024، وهو ما يعزوه بدرجة كبيرة إلى التضخم وما خلّفه من تدهور في القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة. في هذا السياق، يتحول خطاب الحملات الانتخابية من الأيديولوجيا إلى الاقتصاد، ويصبح الناخب أقل اهتماماً بهوية الحزب وأكثر اهتماماً بما إذا كان قادراً على تحسين حياته اليومية. وبناءً على ذلك، يمكن صياغة فرضية البحث على النحو التالي: كلما اتسعت فجوة الأداء الاقتصادي والخدمي بين وعود السلطة وواقع المواطنين، وكلما تراجعت قنوات المساءلة المؤسسية، زاد احتمال أن تصبح الانتخابات استفتاءً على الحاكم نفسه، بصرف النظر عن طبيعة النظام الحزبي أو الإيديولوجيا السائدة.
الحالة الأولى: صربيا – “الزلزال” الطلابي وإسقاط فوتشيتش
شكّلت الانتخابات البرلمانية الصربية التي جرت في 25 أكتوبر 2026 زلزالاً سياسياً بكل المقاييس. فقد أطاحت حركة طلابية لا تتمتع بقيادة تقليدية ولا بهيكل حزبي منظم بحزب الرئيس الكسندر فوتشيتش، الذي حكم البلاد منذ عام 2014 أولاً كرئيس للوزراء ثم كرئيس للجمهورية. حصلت “قائمة الطلاب” (Student List) على 52.5% من الأصوات، أي ما يعادل 141 مقعداً في برلمان من 250 مقعداً، في حين لم يتجاوز حزب فوتشيتش التقدمي 39.3% من الأصوات. وقد بلغت نسبة المشاركة نحو 70%، وهي أعلى نسبة منذ تفكك يوغوسلافيا عام 1992.
لم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لحركة احتجاجية انطلقت في نوفمبر 2024 بعد انهيار مظلة خرسانية في محطة قطار نوفي ساد، مما أسفر عن مقتل 16 شخصاً. كشفت الحادثة عن فساد نظامي واختلاسات في مشاريع البنية التحتية، فتحول الغضب الشعبي إلى حركة احتجاجية واسعة قادها الطلاب، وامتدت لتشمل أكاديميين وأطباء ومهنيين ومواطنين عاديين. وقد تعمّدت الحركة رفض الزعامات التقليدية والانخراط في اللعبة الحزبية، وطرحت نفسها كقائمة من 250 مرشحاً بينهم أساتذة وأطباء ورياضيون ومزارعون، تحت شعار “صربيا أم المافيا؟”. ويرى المراقبون أن هذا النموذج التنظيمي الأفقي، القائم على المساءلة الأخلاقية أكثر من الأيديولوجيا، شكل عاملاً حاسماً في قدرة الحركة على تجاوز الانقسامات التقليدية وجذب قطاعات واسعة من الناخبين، لا سيما الشباب. وهكذا، تحوّل سؤال المساءلة في صربيا من “من يحكم؟” إلى “كيف يُمارَس الحكم؟”، وأسقط نظاماً كان يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه هجين بين التسلط والديمقراطية الانتخابية.
الحالة الثانية: البرازيل – “الرمية البعيدة” وعودة لولا
على النقيض من الحالة الصربية، لم تكن انتخابات البرازيل عام 2026 استفتاءً على نظام بأكمله، بل كانت معركة وجودية بين نموذجين للحكم. في الجولة الأولى التي جرت في 4 أكتوبر، حصل فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، على 48.4% من الأصوات مقابل 43.3% للرئيس الحالي لولا دا سيلفا، وهو ما شكل صدمة لمعسكر اليسار. غير أن لولا، البالغ من العمر 81 عاماً، استطاع في الجولة الثانية التي جرت في 25 أكتوبر أن يقلب النتيجة، محققاً فوزاً بنسبة 52% مقابل 48%، بفارق يقارب أربعة ملايين صوت. وقد وُصف هذا التحول بأنه “عودة معجزة” لزعيم كان قد قضى سنوات في السجن، ثم عاد ليصبح أول سياسي برازيلي يُنتخب ديمقراطياً لثلاث فترات رئاسية (ثم ولاية رابعة).
يعزو المحللون هذا الفوز المفاجئ إلى عاملين رئيسيين. أولاً، نجح لولا في تحويل الحملة إلى استفتاء على “الخطر البولسوناري”، مستقطباً أصوات اليسار والوسط الذين خشوا من ولاية ثانية لتيار يميني متطرف. وثانياً، وظّف حملته الرقمية بفعالية غير مسبوقة؛ فقد أنشأ فريقه قناة على تطبيق واتساب باسم “جيش لولا” اجتذبت نحو 11 مليون مشترك في غضون أسبوعين، ونجح في حشد ثلاثة ملايين ناخب لم يصوتوا في الجولة الأولى. وهكذا، لم يكن سؤال المساءلة في البرازيل موجهًا ضد الحاكم بحد ذاته، بل ضد البديل الذي كان يهدد بإعادة إنتاج نموذج سياسي منحرف. وبعبارة أخرى، طرح الناخب البرازيلي السؤال نفسه، لكنه أجاب عنه بالقول إن البديل أسوأ من الوضع القائم، فاختار الاستمرارية بدلاً من المغامرة.
الحالة الثالثة: إسرائيل – الجمود المزمن وانعدام المساءلة
أما في إسرائيل، فقد انتهت الانتخابات التي جرت في 27 أكتوبر 2026 إلى طريق مسدود، على الرغم من أنها جرت في ظل حرب مستمرة في غزة وإيران ولبنان، وفي ظل استقطاب حاد حول شخص رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. أظهرت النتائج شبه النهائية حصول كتلة نتنياهو اليمينية على 53 مقعداً فقط في الكنيست (120 مقعداً)، مقابل 48 مقعداً لكتلة منافسه غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، في حين حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعداً، وهو أعلى تمثيل لها في التاريخ. وبما أن تشكيل الحكومة يتطلب 61 مقعداً، لم يتمكن أي من المعسكرين من حسم الأمر، مما يفتح الباب أمام جولات طويلة من المفاوضات الائتلافية أو انتخابات جديدة، مع بقاء نتنياهو رئيساً للوزراء بصفة مؤقتة.
لا يمثل هذا الجمود ظاهرة جديدة في إسرائيل، بل هو حلقة في سلسلة من خمس انتخابات جرت بين عامي 2019 و2022، انتهت جميعها إلى تعادل أو جمود بسبب الانقسام الحاد حول أهلية نتنياهو للمضي في الحكم أثناء محاكمته بتهم الفساد. غير أن الجديد في انتخابات 2026 هو أن الجمود لم يعد مجرد نتيجة للانقسام حول شخص نتنياهو، بل أصبح أيضاً نتيجة لصعود غير مسبوق للأحزاب العربية من جهة، وتصلب اليمين الإسرائيلي من جهة أخرى، مما يجعل أي ائتلاف حاكم غير مستقر أو غير ممكن. وهكذا، فإن سؤال المساءلة في إسرائيل لم يُطرح أساساً على الأداء الاقتصادي أو الخدمي، بل ظل أسيراً لسؤال الهوية والأمن: “من يستطيع أن يحكم إسرائيل بأمان؟” وإلى أن يُحسم هذا السؤال، يظل النظام السياسي الإسرائيلي عالقاً في حلقة مفرغة من الجمود وعدم القدرة على المساءلة الفعلية.
التحليل المقارن: سؤال واحد وثلاث إجابات مختلفة
على الرغم من الاختلاف الظاهري بين الحالات الثلاث، فإنها تشترك في سؤال مركزي واحد: إلى أي مدى يمكن للناخبين أن يحاسبوا حكامهم عندما تتفكك الروابط بين الأداء والمساءلة؟ في صربيا، وجد الناخبون في الحركة الطلابية أداة فعالة للمساءلة، فاستخدموها لإسقاط نظام كان يسيطر على مفاصل الدولة والإعلام. وفي البرازيل، وجد الناخبون أنفسهم أمام خيارين كلاهما غير مُرضٍ، فاختاروا الحاكم القائم على اعتبار أنه “الأقل سوءاً”. وفي إسرائيل، لم يتمكن الناخبون من فرض مساءلة حاسمة لأن بنية النظام الانتخابي النسبي وطبيعة الانقسامات الأيديولوجية حول الدين والدولة والأمن تحول دون تشكيل أغلبية قادرة على الحكم.
ويكشف التحليل أن العامل الاقتصادي كان المحرك الأساسي للتصويت في صربيا والبرازيل، حيث ارتبط الغضب الشعبي بالفساد وتدهور الخدمات وارتفاع الأسعار، بينما في إسرائيل ظل العامل الأمني والهوية هو المهيمن، وإن بدأ الاستياء الاقتصادي يظهر في خطاب الناخبين الشباب الذين سئموا الحروب المستمرة وعبء الخدمة العسكرية. كما يبرز عامل الشباب والمشاركة كمتغير حاسم: ففي صربيا، كانت نسبة المشاركة الأعلى منذ 1992 بفضل تصويت الشباب، وهو ما يُعرف بـ”الزلزال الشبابي” (Youthquake)؛ وفي البرازيل، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً في حشد ملايين الناخبين الشباب والمهمشين؛ أما في إسرائيل، فقد سجلت مشاركة مرتفعة، لكنها لم تكن كافية لكسر الجمود البنيوي.
خاتمة
تُظهر الانتخابات الثلاثة أن الديمقراطية ليست مجرد آلية للوصول إلى السلطة، بل هي أيضاً أداة للمساءلة. غير أن فعالية هذه الأداة تتفاوت تبعاً لبنية النظام السياسي، ودرجة تركّز السلطة، وقدرة المجتمع المدني على تنظيم نفسه خارج الأطر الحزبية التقليدية. فقد أثبتت الحركة الطلابية في صربيا أن المساءلة الشعبية ممكنة حتى في ظل أنظمة هجينة، بينما أظهرت البرازيل أن المساءلة قد تُقيَّد عندما يكون البديل غير مقبول، وكشف الجمود الإسرائيلي عن حدود المساءلة في ظل نظام انتخابي يكرّس الانقسام بدلاً من تجاوزه. وفي الحالات الثلاث، يبقى السؤال معلقاً: هل ستتمكن هذه الانتخابات من تحويل الغضب الشعبي إلى سياسات فعلية تُحسّن حياة المواطنين، أم أن المساءلة الانتخابية ستبقى مجرد لحظة عابرة يعقبها خيبة أمل جديدة؟
المراجع
- Michael Froman, “The Demise of Democracy Isn’t Here Yet,” Council on Foreign Relations, 30 أكتوبر 2026.
- “Serbia’s ‘Youthquake’: Student Movement Shakes Vucic’s 12-Year Grip On Power In High-Turnout Poll,” News18, 26 أكتوبر 2026.
- “Economy, not ideology,” The Times of India, 27 أكتوبر 2026.
- “Brazil poll puts brakes on shift to the right in Latin America,” The Saturday Paper, 30 أكتوبر 2026.
- Hans Blumenthal, “Dos elecciones en tres días: en Israel, más de lo mismo; en Serbia pasó algo asombroso,” Cambio Colombia, 1 نوفمبر 2026.
- Gwynne Dyer, “Are recent wins for democracies globally a sign change is coming?,” SaltWire, 30 أكتوبر 2026.
- David Van Reybrouck, “Could 2026 be the year that democracy fought back?,” The Guardian, 30 أكتوبر 2026.
- Denisa Kostovicova, “Serbia’s students have shown how to beat an autocrat at the ballot box,” LSE European Politics Blog, 27 أكتوبر 2026.
- “How Did Serbia Remove Vučić Without a Single Smashed Window?,” Carnegie Endowment for International Peace, 29 أكتوبر 2026.
- “Brazil election 2026: Full second round results as Lula wins comeback against Flávio Bolsonaro,” The Guardian, 26 أكتوبر 2026.
- “Netanyahu and Eisenkot in deadlock with no path to victory in Israel election, exit polls suggest,” RNZ, 28 أكتوبر 2026.
- “Why Does Israel Keep Having Elections?,” The New York Times, 1 نوفمبر 2022.


إرسال التعليق