قساة تفوقون قسوة الحياة
قساة تفوقون قسوة الحياة
بقلم: د. أسماء شاهر
حين يتأمل المرء حقيقة ما يدور حولنا من مآسي واختلالات كبرى، يدرك يقيناً أن الخلل الحقيقي لا يكمن أبداً في قسوة الظروف الطبيعية أو مرارة الأيام، بل يكمن في طبيعة الإنسان نفسه حين يفقد بوصلته الأخلاقية. إنكم لا تنزعجون حقاً من قسوة الحياة، ولا تؤلمكم صدمات الواقع الموجعة بقدر ما يزعجكم أن يأتي من يرفع الستار ليعري حقيقتكم العارية.
أنتم لستم ضحايا للظروف؛ بل أنتم قساة لدرجة تفوق قسوة الحياة ذاتها، وذلك من خلال تواطؤكم المستمر وتبريركم الممنهج لكل ما يحدث من حولكم من سقوط إنساني وأخلاقي.
1. صناعة التبرير وغطاء التواطؤ
إن الجريمة الكبرى في مجتمعاتنا المعاصرة لا تقتصر على ارتكاب الفعل الشنيع فحسب، بل تبدأحين يتحول الصمت، والتغاضي، وتلفيق الأعذار إلى ثقافة يومية. أنتم تبررون الظلم، وتشرعنون الاستغلال، وتغضون الطرف عن الوجع الإنساني متى ما كان ذلك يخدم مصالحكم الضيقة أو يحافظ على راحتكم الوهمية.
هذا التواطؤ الصامت هو القسوة بعينها؛ فهو يمنح الشر شرعية الاستمرار، ويحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى مذنب. إنكم لا تقفون على الحياد حين تحدث الكارثة، بل تقفون دائماً في صف الجانب الأقوى، مستخدمين كل أدوات التسويف لتبرير ما لا يمكن تبريره.
2. فزع الحقيقة المكشوفة
لهذا السبب بالتحديد، لا شيء يثير رعبكم ويستفز طمأنينتكم المزيفة مثل ذلك الشخص الذي يرفض أن يرتدي الأقنعة. أنتم لا تغضبون من الجريمة، بل تغضبون ممن يصف ما تفعلونه بدون مكياج لغوي.
تزعجكم تلك الكلمات الصادقة التي تشير إلى أخطائكم بأصبع الاتهام المباشر، وتكشف زيف شعاراتكم البرّاقة. إنكم تحبون الأكواب المزخرفة، واللغة الدبلوماسية الناعمة التي تلف الحقائق بطبقات كثيفة من التجميل، لكي تستمروا في العيش داخل فقاعة الإنكار دون أن تشعروا بتأنيب الضمير. وحين يأتيك من يمزق هذا الغطاء ليواجهكم بمرآة الحقيقة، تثور ثائرتكم دفاعاً عن أوهامكم.
3. الجرائم غير المرئية بحق الإنسانية
إن أبشع الجرائم هي تلك التي تُرتكب بصمت، وتُمارس بطرق غير مرئية في حق الإنسانية. إنكم تقتلون الأمل، وتغتالون البراءة، وتسحقون كرامة الضعفاء بقرارات باردة ومواقف متخاذلة، ثم تذهبون لترتدوا ثياب الطهارة والفضيلة في نهاية اليوم.
هذه الجرائم الخفية لا تترك دماءً على الأيدي، لكنها تترك أرواحاً ممزقة ومجتمعات تتهاوى من الداخل. وما دلتم مصرين على حراسة هذا الصمت المريب وتجريم كل صوت حر يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها، ستظل القسوة هي العنوان الأبرز لعالم فرّط في إنسانيته.
خاتمة
إن الاعتراف بالوجع هو الخطوة الأولى نحو التعافي، ولكنكم تخافون من الاعتراف لأنه يسقط عنكم أقنعة الزيف. فلترفعوا كل التبريرات ولتتوقفوا عن تجميل القبح؛ فالحقيقة واضحة كعين الشمس لمن أراد أن يرى، والقسوة التي تمارسونها ستبقى شاهدة عليكم مهما غطيتموها بكلمات العزاء الكاذبة.



إرسال التعليق