هل تكفي ترسانة الرياض الجوية لردع حرب المحاور المركبة؟
اللواء متقاعد عبد الباقي جبير
تُواجه المملكة العربية السعودية تحديات أمنية وجيوسياسية معقدة في حماية مجالها الجوي المترامي الأطراف، نظراً لاتساع مساحتها وتعدد اتجاهات التهديدات القادمة من إيران والعراق واليمن، إلى جانب انتشار المنشآت النفطية والمطارات والمرافق الحيوية على رقعة جغرافية واسعة. ويؤكد ذلك أن امتلاك منظومات دفاع جوي متطورة لا يضمن اعتراض جميع الصواريخ والمسيّرات، خصوصاً عند تنفيذ هجمات متزامنة ومتعددة المحاور.
وتُعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران أحد أبرز التحديات الأمنية للمملكة، إذ تشير تقديرات إلى اعتماد ترسانتهم على أسلحة وتقنيات إيرانية، مع تأثر بعض مكوناتها بالتكنولوجيا الصينية. كما تتجاوز التهديدات المجال الجوي لتشمل الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ما يضاعف الضغوط على أمن الطاقة والتجارة الإقليمية. وفي المقابل، يوفر خط أنابيب شرق–غرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، للسعودية مساراً بديلاً للتصدير بعيداً عن مضيق هرمز.
اختبار الجبهات والقدرات الدفاعية
أكدت السلطات السعودية اعتراض عدد من المقذوفات خلال الأسبوع الماضي، بينها صاروخان باليستيان استهدفا الرياض. ويرى خبراء أن تسلل بعض الأهداف لا يعني فشل منظومة الدفاع الجوي بالكامل، مشيرين إلى أن عشرات الهجمات قد تُحبط مقابل كل هجوم يتمكن من بلوغ هدفه. كما يُرجح أن يدفع تصاعد التهديدات الحوثية السعودية إلى إعادة توزيع جزء من قدراتها الدفاعية نحو الجبهة اليمنية، بالتوازي مع استمرار التركيز على التهديدات الصاروخية الإيرانية.
وتعمد المملكة في حمايتها على شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات، تتصدرها منظومتا باتريوت PAC-3 وثاد لاعتراض الصواريخ الباليستية، إلى جانب منظومات «آي-هوك» و«شاهين» و«كروتال» و«أفنجر»، فضلاً عن صواريخ «ميسترال» والمدافع المضادة للطائرات والرادارات وأنظمة الإنذار المبكر والقيادة والسيطرة.
بحسب بيانات The Military Balance 2024، امتلكت السعودية نحو 108 وحدات إطلاق باتريوت موزعة على ست كتائب، إضافة إلى 16 بطارية من منظومة I-Hawk وقرابة 400 منصة أفنجر، و90 مدفعاً من طراز M163 Vulcan، و128 مدفعاً من عائلة Oerlikon عيار 35 ملم.
أما منظومة «ثاد»، التي توفر طبقة إضافية لاعتراض الصواريخ الباليستية، فيُقدّر مداها بنحو 150 إلى 200 كيلومتر. وبدأت السعودية نشر منظوماتها في فبراير 2025، فيما أشارت تقارير خلال عام 2026 إلى خطة لإنشاء سبعة مواقع، مع توقع استكمال المواقع الأربعة الأولى بنهاية 2026، والمواقع السبعة بحلول أبريل 2028. وتحمل البطارية الواحدة ست قواذف، تضم 48 صاروخاً اعتراضياً كحد أقصى، إلى جانب رادار AN/TPY-2 ومركز للقيادة والسيطرة.
معادلة المدى والمخزون الاستراتيجي
تختلف قدرات الاعتراض بحسب نوع الهدف وارتفاعه وسرعته ومساره؛ إذ يبلغ مدى PAC-2 GEM-T نحو 160 كيلومتراً في بعض المراجع، بينما يُقدّر مدى اشتباك PAC-3 CRI مع الأهداف الباليستية بنحو 15 إلى 20 كيلومتراً، ويرتفع إلى نحو 35 كيلومتراً في نسخة PAC-3 MSE. وتوفر منظومة I-Hawk مدى يقارب 40 كيلومتراً، في حين تتراوح قدرات «شاهين» و«كروتال» بين نحو 10 و16 كيلومتراً بحسب النسخة.
وتبقى محدودية مخزون الصواريخ الاعتراضية أحد أبرز التحديات، بعدما استهلكت الولايات المتحدة وحلفاؤها كميات كبيرة من ذخائر باتريوت وثاد خلال الأشهر الأولى من الحرب مع إيران. كما أفادت تقارير بأن الرياض تواصلت مع دول صديقة لبحث الحصول على دعم دفاعي إضافي.
وتبرز أهمية تطوير الرصد والاعتراض لمواجهة الهجمات المركبة التي تجمع بين الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والمسيّرات المنخفضة الارتفاع. ففاعلية الدفاع الجوي لا تعتمد على مدى الصواريخ الاعتراضية وحده، بل أيضاً على كفاءة الرادارات، وسرعة اتخاذ القرار، وتوزيع البطاريات، والقدرة على التعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف في وقت متقارب.


إرسال التعليق