جاسوس في مقر رئاسة الجمهورية
جاسوس في مقر رئاسة الجمهورية
العميد عبد اللطيف نواس البلجي
عندما ألقى رجال المخابرات العامة المصرية القبض على هذا الجاسوس، فاهَ بأغرب جملة يمكن أن تنطق بها شفاه خائن في تاريخ الجاسوسية. إنها ليست قصة عميل عادي؛ فلم يكن ممن يجلسون في المقاهي والأماكن العامة لاستراق السمع، ولا كان جاسوساً عسكرياً أو علمياً أو اقتصادياً بالمعنى التقليدي. لقد تمكن هذا الرجل من اختراق أعلى مؤسسة سيادية في الدولة المصرية بأكملها: مؤسسة الرئاسة.
وكان المصدر الأول والأساسي للمعلومات التي يرفعها إلى أجهزة استخبارات العدو، هو رئيس الجمهورية شخصياً.
اسم هذا الرجل “علي خليل العطفي”، الخبير المزعوم في العلاج الطبيعي والمدلك الخاص للرئيس الراحل محمد أنور السادات -رحمه الله-.
بدايات العطفي كانت عادية ومحتشمة للغاية؛ إذ ولد في حي السيدة زينب بالقاهرة عام ١٩٢٢، ولم يحصل سوى على الشهادة الإعدادية، ليتوقف عن التعليم ويعمل صبياً في محل بقالة، ومنه إلى صبي في إحدى الصيدليات. وأثناء عمله بالصيدلية، استعان به أحد الزبائن طاعني السن لتدليك ركبتيه، ونفحه لقاء ذلك مكافأة مالية مجزية؛ فقرر العطفي في تلك اللحظة احتراف مهنة التدليك.
انتقل العطفي فوراً ليعمل صبياً لدى مدلك أجنبي في مركزه الخاص. ومع اندلاع ثورة يوليو ١٩٥٢، غادر العديد من الأجانب واليهود مصر، فوجد العطفي نفسه فجأة يستولي على المركز الطبي بكامل معداته مجاناً. بدأ العمل بنفسه، وراجت تجارته واتسعت قاعدة زبائنه، فانتعشت محفظته بالأموال بعد أن كان بالكاد يجد قوت يومه. وعندما فتحت الدولة باب الانضمام لمعاهد التربية الرياضية لدراسة العلاج الطبيعي، سارع بالالتحاق بإحداها.
منذ ذلك الحين، بدأ العطفي يطلق على نفسه لقب “دكتور” و”خبير العلاج الطبيعي”. وحين أوفدت الدولة بعثة من الطلبة للدراسة بالخارج، كان العطفي من بينهم؛ حيث خرج في بعثة علمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه قضى فترة المنحة في اللهو والشراب والنقاهة، وعاد إلى مصر دون أن يحصل على أي شهادة عليا. ومع ذلك، واصل إيهام الناس بحصوله على درجة الدكتوراه، مما أتاح له استقطاب شريحة خاصة جداً من الزبائن تضم الفنانين، ورجال المال، وكبار السياسيين.
استطاع العطفي بناء شبكة علاقات واسعة ونافذة للغاية؛ حتى غدا صديقاً شخصياً للسيد كمال حسن علي (رئيس المخابرات العامة الأسبق)، ورجل الأعمال عثمان أحمد عثمان (صهر الرئيس السادات)، ونجم النادي الأهلي ومدرب المنتخب عبده صالح الوحش، وغيرهم. اتسع نشاط مركزه الطبي حتى أصبح المعالج الطبيعي للفريق الأول بالنادي الأهلي، واستعان بخبراء متخصصين حقيقيين في مركزه، لدرجة أنه كفّ عن الذهاب المنتظم للمركز إلا لجني الأرباح وجمع الأموال.
بداية الاختراق والسقوط في الفخ الإسرائيلي
في ستينيات القرن الماضي، استغل جهاز “الموساد” الإسرائيلي شغف العطفي الجارف بالمال والسلطة ورحلاته المتكررة إلى أوروبا بحجة استيراد المعدات الطبية؛ فتم تجنيده في مدينة أمستردام الهولندية على يد ضابط مخابرات إسرائيلي، بعد دراسة دقيقة لشخصيته ونقاط ضعفه، وعلى رأسها الهوس بالثراء والادعاء الكاذب بالدرجات العلمية.
قدم الموساد للعطفي دعماً لوجستياً ومادياً سخياً، وسهّل له التغطية العلمية المزيفة لتوطيد نفوذه داخل الأوساط السياسية العليا بالقاهرة. ومع تسلقه السريع لسلالم النفوذ، تمكن العطفي من الوصول إلى الشريان الأكثر خطورة: الجلسات العلاجية الخاصة للرئيس الراحل محمد أنور السادات.
كيف أصبح الرئيس مصدراً للمعلومات؟
لم يكن العطفي بحاجة إلى زرع أجهزة تنصت أو سرقة وثائق سرية من المكاتب المغلقة؛ بل كانت “جلسة التدليك” اليومية للرئيس هي بيئة عمله الاستخباراتية. كان الرئيس السادات يتحدث بأريحية كاملة في لحظات الاسترخاء والراحة، مسترسلاً في تقييمه للشخصيات السياسية، وانطباعاته عن الوفود الدبلوماسية، وتحليلاته للموقف العسكري والسياسي، دون أن يدور بخلده لحظة واحدة أن يد المدلك التي تخفف عنه الآلام هي ذاتها اليد التي تسجل هذه التفاصيل لتصل إلى تل أبيب خلال ساعات.
نقل العطفي معلومات في غاية الخطورة تشمل الحالة الصحية والنفسية للرئيس، وآليات التفكير السياسي لدى القيادة المصرية، والتوجهات التحضيرية في المراحل التي سبقت وتلت حرب أكتوبر ١٩٧٣.
السقوط المدوي والأغconditional الجملة في التاريخ
لم تدم اللعبة طويلاً؛ فقد بدأت أعين المخابرات العامة المصرية ترصد تحركاته وخطوط اتصالاته المشبوهة في الخارج، إضافة إلى التضخم المفاجئ في ثروته بما لا يتناسب مع مصادر دخله المشروعة. وُضع العطفي تحت المراقبة الصارمة، حتى أُلقي القبض عليه متلبساً بأجهزة الاتصال اللاسلكي والحبر السري وتفريغ الرسائل الموجهة إلى الموساد.
وفي لحظة المواجهة وانكشاف أمره تماماً أمام ضباط المخابرات المصرية، نطق العطفي بـ أغرب جملة يمكن أن يقولها جاسوس لحظة ضبطه:
“أنا لم أكن أؤذيكم.. إنما كنت أساعد البلد كي تأخذ حقها وتعرف كيف يفكرون!”
كانت تلك الجملة تجسيداً صارخاً لحجم الزيف والانفصال عن الواقع، ومحاولة يائسة لتبرير الخيانة العظمى للوطن تحت ذائع واهية.
تلقى علي العطفي حكمه الرادع بالسجن المؤبد، لتظل قصته واحدة من أغرب وأخطر صفحات التجسس في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، والتي أثبتت أن الاختراق الأمني قد يأتي أحياناً من أكثر الأماكن قرباً واطمئناناً.



إرسال التعليق