وفاة أكبر معمرة في الجزائر عن عمر 132 سنة

في لحظة تاريخية إنسانية مهيبة تتزامن مع طي صفحة ناصعة من ذاكرة الوطن، ودّعت الجزائر إحدى أبرز رموز المعمرين في البلاد والعالم، الحاجة الأم والجدة ستيتي صرهودة، التي وافتها المنية عن عمر ناهز 132 عاماً، حافلة بالتضحيات والصبر والشواهد الحية على تحولات القرن الماضي والحالي.

شاهدة على ثلاثة قرون: ميلاد في زمن الاستعمار

تُعدّ الفقيدة الراحلة الحاجة صرهودة من مواليد عام 1894؛ أي أنها عاشت أواخر القرن التاسع عشر، وعاصرت القرن العشرين بأكمله بكل تحولاته الجسيمة، لتصل إلى الربع الأول من القرن الحادي والعشرين.

لقد ولدت الراحلة في حقبة الاستعمار الفرنسي المظلمة، وعايشت مآسي المقاومات الشعبية، ثم اندلاع ثورة التحرير المجيدة عام 1954، وصولاً إلى استقلال الجزائر وبناء الدولة الحديثة. كانت ذاكرتها مستودعاً زاخراً بالروايات الشفهية والاحداث التاريخية التي لم تدونها الكتب، لتمثل بحق “متحفاً إنسانياً متحركاً”.

الأم والجدة: رمز العطاء الاجتماعي والأسري

لم تكن الحاجة ستيتي صرهودة مجرد رقم قياسي في قائمة المعمرين، بل كانت ركناً أساسياً في مجتمعها المحلي، وعموداً فقرياً لأسرة ممتدة أثمرت أجيالاً متعاقبة من الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد.

عرفها المقربون والأهالي بـ:

  • الحكمة والسكينة: امتلاكها لروح هادئة ورؤية ثاقبة تستمد طاقتها من الإيمان القوي والصبر على نوائب الدهر.
  • النمط الغذائي الفطري: الاعتماد على الغذاء الطبيعي والبسيط، والحياة الريفية القائمة على الحركة المستمرة والراحة النفسية، وهو ما يفسر احتفاظها بصحتها ووعيها لسنوات طويلة.

جنازة مهيبة وحداد شعبي

وقد شُيّع جثمان الفقيدة الراحلة في جمع غفير ضم الأهل، والأقارب، وجمعاً غفيراً من المواطنين وممثلي المجتمع المدني والسلطات المحلية، الذين حرصوا على إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على من كانت تعد بركة المنطقة ورمزاً من رموز الأصالة والذاكرة الشعبية الجزائرية.

تغمد الله الفقيدة بواسع رحمته، وأسكنها فسيح جناته، وألهم ذويها وأسرتها الكبيرة والصغيرة جميل الصبر والسلوان. إن رحيل “الحاجة صرهودة” يعيد إلى الأذهان قيمة الحفاظ على الذاكرة الشفهية للمعمرين، الذين يشكلون الخيط الرابط بين جيل الأمس وتطلعات الغد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك