اخر الاخبار

قراءة استراتيجية: هل انتهى زمن زيلينسكي؟ تحول المشهد الاستراتيجي ومستقبل القيادة الأوكرانية

حكيم زيات / صحفي استقصائي

تخوض أوكرانيا اليوم واحدة من أعقد المراحل في تاريخها الحديث؛ مرحلة لا تقتصر فيها المعركة على خطوط المواجهة في دونباس أو زاباروجيا، بل تمتد إلى أروقة القرار العالي في كييف، وواشنطن، وعواصم القرار الأوروبي. ومع تطور معطيات الصراع واستطالة أمد الحرب، يبرز سؤال استراتيجي ملح على طاولة المحللين والصناع السياسيّين: هل انتهت الصلاحية السياسية والاستراتيجية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أم أنه يخوض مناورة بقاء جديدة في مرحلة تغيير القواعد؟

لم يعد هذا السؤال مجرد تكهن إعلامي، بل أضحى يعكس تحولات عميقة في البيئة الجيو-سياسية الدولية، والميدان العسكري، والداخل الأوكراني.

أولاً: التحول في البيئة الدولية (إنهاك الحلفاء والضغوط الواقعية)

عندما اندلعت الحرب في فبراير 2022، نجح زيلينسكي ببراعة استثنائية في تحويل “البلاغة الخطابية” والرموز الإعلامية إلى سلاح استراتيجي؛ حيث تمكن من تجنيد الرأي العام الغربي وضخ المليارات من المساعدات العسكرية والمالية. لكن هذه المعادلة أصبحت تشهد تآكلاً متزايداً لعدة أسباب:

  1. صعود “الواقعية السياسية” في واشنطن والعواصم الغربية: مع تغيّر الخارطة السياسية في الغرب والضغوط الاقتصادية الناجمة عن التضخم وسباق التسلح، تراجعت نبرة “الدعم المطلق مهما تطلب الأمر” لصالح البحث عن “مخرج استراتيجي” أو تسوية تمنع الانزلاق نحو مواجهة شاملة مع روسيا.
  2. تبدّل الخطاب الإستراتيجي الغربي: أضحت عواصم غليظة تشعر بأن مطالب زيلينسكي القاطعة (لاستعادة جميع الأراضي بما فيها القرم) تتصادم مع الجمود الميداني، مما جعل أسلوبه المطالب دائماً بالدعم يمر بفترة جفاء مع بعض القادة.
  3. أولوية ملفات أخرى: أدى اشتعال الأزمات في الشرق الأوسط وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني إلى تحويل جزء من التركيز والاستثمار الاستراتيجي بعيداً عن الجبهة الأوكرانية.

ثانياً: الواقع الميداني ومعضلة الاستنزاف العسكري

على الصعيد الميداني، واجهت قيادة زيلينسكي تحديات تكتيكية واستراتيجية غير مسبوقة:

  • فشل الهجمات المضادة وجمود الجبهة: أظهرت التطورات أن القوات الروسية تمكنت من تحصين خطوطها الدفاعية، مما جعل أي تقدم أوكراني مكلفاً للغاية من حيث العنصر البشري والعتاد.
  • أزمة التجنيد والموارد البشرية: أصبحت مشكلة النقص الحاد في القوى البشرية داخل الجيش الأوكراني أزمة سياسية واجتماعية داخلية؛ حيث أثارت قوانين التجنيد وتوسيع رقعتها استياءً صامتاً لدى فئات واسعة من الشارع الأوكراني.
  • الخلافات العسكرية-السياسية: ألقى الإعفاء الشهير للقيادات العسكرية البارزة (وعلى رأسهم الجنرال فاليري زالوجني) بظلاله على العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، وشوهد ذلك كخطوة لتصفية منافسين سياسيين محتملين لزيلينسكي أكثر من كونها ضرورة تكتيكية.

ثالثاً: التحديات الداخلية (الشرعية والإنهاك المجتمعي)

داخل أوكرانيا، يمر المشهد السياسي بتحولات خفية ولكنها جوهرية:

المؤشر الداخليالواقع الراهنالأثر الاستراتيجي على زيلينسكي
سؤال الشرعية الدستوريةتأجيل الانتخابات الرئاسية بسبب فرض الأحكام العرفية واستمرار الحرب.يعطي خصومه السياسيين والورقة الإعلامية للكرملين ذريعة للتشكيك في شرعيته بعد انتهاء ولايته الاسمية.
ملف الفسادفشل حاسم في القضاء التام على الفساد المؤسسي الداخلي وشبهات التكسب من أموال المساعدات.يضعف ثقة الداعمين الغربيين ويغذي الأصوات المطالبة بفرض رقابة صارمة على المساعدات.
تآكل شعبية “البطل القومي”تحول المزاج الشعبي من نشوة الصمود الأولى إلى واقع المرارة والإنهاك الاقتصادي والإنساني.يقلل من قدرته على فرض قرارات قاسية وصعبة بشأن أي مفاوضات مستقبليّة قد تتضمن تنازلات.

رابعاً: السيناريوهات المستقبلية لزيلينسكي

في ظل هذه المعطيات، تتجه القيادة الأوكرانية ومستقبل زيلينسكي نحو أحد ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. سيناريو “تغيير قواعد اللعبة” (التكيف الاستراتيجي)

أن يعيد زيلينسكي تقديم نفسه ليس كـ “قائد حرب حتى النصر الموحّد” فحسب، بل كـ “مهندس سلام ودفاع استراتيجي”، عبر القبول بتفاهمات أمنية غربية بديلة (مثل ضمانات أمنية ثنائية مع الناتو دون الانضمام الفوري) وقبول واقع تجمد الجبهات، مما يحفظ له موقعه كرمز للصمود الأوكراني.

2. سيناريو التغيير السياسي عبر التسوية (الاستبدال الهادئ)

في حال استقرت الأطراف الدولية (واشنطن وحلفاؤها) على ضرورة إبرام اتفاق تسوية أو هدنة طويلة الأجل مع موسكو، فقد يُنظر إلى زيلينسكي على أنه “عقبة أمام التفاوض” بسبب خطوط حمراء وضعها بنفسه؛ مما يمهد الطريق لظهور شخصية توافقية جديدة (قد تكون ذات خلفية عسكرية أو تكنوقراطية) قادرة على توقيع الاتفاق وإدارة مرحلة إعادة الإعمار.

3. سيناريو الانفجار الداخلي أو الضغط الميداني (السقوط المباشر)

في حال حدوث انهيار تكتيكي في جزء حرج من الجبهات، أو تصاعد الغضب الشعبي جراء أزمات الطاقة والتجنيد، فقد يجد زيلينسكي نفسه أمام ضغوط داخلية متزايدة تجبره على التنحي أو إجراء انتخابات مبكرة تحت سياسة الأمر الواقع.

خلاصة استراتيجية:

لم ينتهِ “زمن زيلينسكي” بعد بشكل كامل، لكنه حتماً انتهى بشرطه الأول الذي قام على الرهان المطرد على الدعم الغربي المفتوح والانتصار الميداني الحاسم. لقد انتقل زيلينسكي من مرحلة “البطل الأسطوري” الذي يحظى بتأييد مطلق، إلى مرحلة “السياسي المنهك” الذي يتوجب عليه إدارة معركة البقاء السياسي في أزقة الضغوط الدولية المتقاطعة. وسيكون قدره محدوماً بمدى قدرته على إظهار مرونة استراتيجية تجعله جزءاً من حل الأزمة الأوكرانية، لا جزءاً من الجمود المعقد.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك