اخر الاخبار

تحويل الجندي إلى “شبيح” و شرعنة خراب الأوطان: الجريمة الكبرى خلف شعارات الربيع العربي

تحويل الجندي إلى “شبيح” و شرعنة خراب الأوطان: الجريمة الكبرى خلف شعارات الربيع العربي
الكاتبة: أنوار عبد العظيم

حين انطلقت موجات الاحتجاج والشغب المنظم مطلع العقد الماضي تحت عناوين براقة ومضللة كـ “الربيع العربي”، لم تكن المعركة مجرد صراع بين شعوب تطمح للحرية ونظم سياسية قائمة، بل كانت واجهة لحرب نفسية وهيكلية مدروسة استهدفت عمق الدولة الوطنية ورمز سيادتها الأول: المؤسسة العسكرية.

ولعل من أخبث ما أفرزته تلك المرحلة من هندسة الفوضى وتزييف الوعي؛ هو ذلك السعي المنهجي لإلغاء الفارق بين مفهوم “الجندي” الذي يحمل روحه على كفه لحماية تراب وطنه، وبين صورة “الشبيح” أو المرتزق، لتشريع تدمير الأوطان تحت ذريعة “إسقاط النظام”.

أولاً: اغتيال الرمز.. لماذا استهداف المؤسسة العسكرية؟
في الدول ذات السيادة، تُمثل الجيوش الوطنية صمام الأمان والركيزة الأساسية التي تمنع تفكك المجتمع إلى كانتونات طائفية وعرقية. وقد أدركت دوائر التخطيط الاستعماري وأذرع التنظيمات الأيديولوجية مبكراً أن إسقاط الدولة العربية لا يمكن أن يتم إلا بكسر شوكة جيشها الوطني.

من هنا انطلقت آلة الإعلام الموجه—تلك التي تكلمنا عن فبركاتها مراراً—لشن حملة شيطنة غير مسبوقة ضد المؤسسات العسكرية في سوريا، وليبيا، واليمن وغيرها. تم نزع صفة الوطنية عن الجندي الذي يدافع عن مؤسسات دادرته، وأُلبس قسراً ثوب “المجرم” و”الشبيح”، في عملية غسيل دماغ جمعي استهدفت دفع المجتمع نحو كره جيشه الوطني وتبرير تفكيكه أو قتاله.

ثانياً: من حامي للثغور إلى “شبيح”.. هندسة شيطنة العسكري
لقد كان استبدال المفاهيم تعمداً مقصوداً؛ فالجندي الذي يؤدي واجبه الدستوري في حفظ الأمن واستقرار الدولة وتأمين المرافق الحيوية، جرى تصويره في خطابات المنصات المسلحة والمحطات المأجور على أنه أداة قمع عمياء.

تم نزع إنسانية العسكري تماماً عبر فبركة القصص والأكاذيب حول عقيدته العسكرية.

جرى تشريع قتله والتنكيل بجثته تحت تصفيق المحللين السياسيين و”ثوار الشاشات”، وكأن الوطن يمكن أن يبقى بلا درع أو سياج.

هذا التشويه الممنهج لم يكن يهدف إلى حماية المواطن كما يدعون، بل كان يمهد الطريق أمام الميليشيات الطائفية، والجماعات المتطرفة، والمرتزقة العابرين للحدود ليعيثوا فساداً ودماراً في الأرض، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا.

ثالثاً: تشريع تدمير الأوطان تحت شعار “سقوط النظام أهون”
إن الخطيعة الكبرى التي ارتكبتها سرديات “الربيع المزعوم” تمثلت في الترويج لشعار انتحاري مفاده: “فليتحرق الوطن وليهدم على من فيه.. المهم أن يسقط النظام”.

تم تحويل تدمير البنية التحتية، وحرق المدن التاريخية، وتهجير ملايين الأسر إلى مجرد “ضريبة حرية” زهيدة في نظر تجار الدماء والأيديولوجيات. وحين يُنزع احترام الجيش وتتحول المؤسسات السيادية إلى أنقاض، تفتح الأبواب الواسعة أمام التدخلات الأجنبية، وتتحول الأوطان إلى مسارح للحروب الوكالة والمقابر الجماعية. وما آلت إليه أحوال سوريا وليبيا من تشظٍ واحتلال مقنع، ليس سوى النتيجة الطبيعية لتلك الفلسفة الهدامة.

إن التاريخ لا يرحم من فرّطوا في تراب أوطانهم على مذبح الأحقاد السياسية والعمالة الخارجية. لقد أثبت الواقع المرير أن إسقاط الدولة وهدم جيشها الوطني ليس “ثورة”، بل هو انتحار جماعي وجريمة كبرى بحق الأجيال القادمة. فليتعظ من بقي في عقلة بقية؛ فالأوطان تُبنى بعرق وعزيمة أبنائها المخلصين وجيوشها الباسلة، ولا تُعمر أبداً على أشلاء الجنود وتحت ركام الخراب والدمار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك