سأحرق سيجارة حتى لا أضطر لإحراق نفسي!
الدكتور عزام مالك
حين تضيق بهوالم الحياة، وتتكدس الفواتير على مكتبك كمملكة من الديون لا تنتهي، ويلتف خناق البيروقراطية حول عنقك حتى تحس أن الهواء قد تحول إلى مادة صلبة، يبدأ العقل البشرى في البحث عن خيارات “استراتيجية” لإدارة الأزمة. بعض الناس يلجأ إلى التأمل واليوجا، وبعضهم يفضل الصراخ في وجه الوسائد، أما أنا، المفكر الاستراتيجي في شؤون الكآبة اليومية، فقد توصلت إلى نظرية اقتصادية وعصبية محكمة: سأحرق سيجارة، حتى لا أضطر لإحراق نفسي!
أولاً: اقتصاديات الحرق.. السيجارة أرخص بكثير من الوطن!
لنكن واقعيين قليلاً؛ إحراق نفسك كلياً يتطلب تكاليف لوجستية باهظة في هذا العصر؛ بدءاً من ثمن مادة الكيروسين أو البنزين التي أصبحت تسعر بالدولار واليورو، مروراً بأجور سيارات الإسعاف، وصولاً إلى تكلفة الجنازة التي باتت تثقل كاهل الورثة قبل أن يدفن الميت. في المقابل، فإن حرق سيجارة وطنية الصنع (أو حتى مهربة على ذمة الحظ) يوفر عليك كل هذا العناء المالي. تدفع مبلغاً زهيداً، تشعل عود كبريت، وتكتفي بتصاعد أعمدة الدخان الرمادي نحو السقف، معلماً العالم بأسره أن ثورة غضبك قد تمت “تحت السيطرة” وفي حدود الميزانية المتاحة!
ثانياً: الفوائد الدبلوماسية للدخان.. إخفاء معالم الهزيمة
حين تحرق نفسك، سيكون المنظر درامياً نعم، وربما يلتفت إليك المارة لخمس ثوانٍ قبل أن يعودوا لمتابعة أسعار البطاطس في السوق. أما حين تحرق سيجارة، فإنك تكتسب هالة “الفيلسوف الوجودي البائس”. يمكنك أن تنفث الدخان ببطء وتنظر إلى الفراغ بنظرات تشبه نظرات جنرال مهزوم في معركة فاصلة. السيجارة تمنحك عذراً قانونياً واجتماعياً لتكون ممتعضاً، عابساً، وناقماً على رداءة الوجود، دون أن يتهمك أحد بالإرهاب المنزلي؛ بل سيقولون: “مسكين، إنه يمر بظروف صعبة”!
ثالثاً: بدائل العبث.. لماذا النيكوتين أرحم من الانفجار؟
لو أن الإنسان استسلم لكل رغبة جامحة في تحطيم المكاتب الحكومية، أو صفع مديره في العمل، أو إلقاء نفسه من شقة في الطابق الخامس، لانقرض الجنس البشري منذ عصر الديناصورات. هنا يأتي الدور العظيم للتبغ؛ فهو بمثابة “صمام إمان” وطني وعصبي. بدلاً من أن تحرق أعصابك وتفقد عقلك وتتحول إلى مادة غنية لبرامج التوك شو المسائية، فإنك تحرق بعض الأوراق الملفوفة الممزوجة بالقطران، وتتنفّس الصعداء كأنك أبرأت ذمتك أمام الكون الفسيح.
لذا، وقبل أن يفكر أحدكم في القيام بثورة راديكالية ضد روتين الحياة القاسي، أو يهم بإشعال عود ثقاب في المكان الخطأ، أنصحه بنصيحة حكيم مجرّب: أشعل سيجارة، وراقب كيف يذوب الهم في سحابة دخان عابرة. إنها طريقة اقتصادية سلمية بيئية (نوعاً ما) للاحتجاج على هذا العالم المقلوب، وتأكد تماماً أن حرق السيجارة يقيناً شرّ حرق الأعصاب وما ملكت.



إرسال التعليق