اخر الاخبار

تبديد السيادة الطاقية: كيف أحرقت قرارات الرباط العبثية سوق الغازوال ومستقبل “سامير”؟

داود مراد

حين تتداخل الحسابات السياسية الضيقة مع الغطرسة البيروقراطية وغياب الرؤية الاستراتيجية، تكون النتيجة الحتمية هي انهيار ركائز الأمن القومي للاقتصاد. هذا بالضبط ما جرى في المملكة المغربية، حيث أسفرت سلسلة من القرارات العشوائية، والخيارات المزاجية، والمغامرات الطاقية غير محسوبة الوعواقب، عن إدخال البلاد في أزمة خانقة عصفت بسوق المحروقات، وحولت درة التاج في البنية التحتية الصناعية—مصفاة “سامير” ($SAMIR$)—إلى هيكل عظمي يندب الحظ.

إن ما يعيشه المغرب اليوم ليس مجرد “أزمة أسعار عابرة”، بل هو فواتير ثقيلة لسياسات كارثية ضحت بالأمن الطاقي للبلاد على مذبح مصالح لوبيات الريع والاحتكار.

أولاً: جريمة اغتيال “سامير”.. الانتحار الطاقي ببرود أعصاب

تُعد مصفاة “سامير” بالمحمدية الجريمة الاقتصادية الأبرز في العصر الحديث للمغرب. فبدلًا من حماية هذا الصرح الاستراتيجي وتحديثه ليكون صمام الأمان الوحيد للبلاد وقت الأزمات والتقلبات العنيفة لأسعار النفط العالمية، اختارت دوائر القرار إعدام المصفاة وتشريد عمالها وتجميد طاقتها التكريرية الهائلة.

  • الحجج الواهية: سوقت الحكومة حينها مبررات مفادها أن الاستيراد المباشر للمشتقات النفطية الجاهزة أرخص وأجدى اقتصادياً من تكرير النفط الخام.
  • النتيجة الكارثية: سقط المغرب في فخ التبعية المطلقة للشركات الكبرى وسلاسل الإمداد الدولية. وعندما اشتعلت أسعار الطاقة عالمياً، وجد الاقتصاد المغربي نفسه عارياً بلا غطاء، يكتوي بنار فواتير استيراد خيالية التهمت احتياطات النقد الأجنبي، وأثقلت كاهل المواطن والنسيج الصناعي على حد سواء، بينما استمرت جيوب لوبيات المحروقات تنتفخ بأرباح فلكية على حساب قوت الشعب.

ثانياً: أزمة الغازوال.. عندما تتحول سياسات “تحرير الأسعار” إلى مقصلة

تأتي أزمة مادة “الغازوال” (الديزل)—العصب الحقيقي للنقل واللوجستيك والصيد البحري والزراعة في المغرب—لتكشف عجز المنظومة الاقتصادية الرسمية. فعندما أقدمت حكومة بنكيران السابقة وبدعم كامل من مراكز النفوذ المالي على تحرير أسعار المحروقات في نهاية عام 2015، توهمت أن “اليد الخفاء للسوق” ستضبط الأسعار وتخلق تنافسية وهمية.

لكن ما حدث على أرض الواقع كان كارثة بكل المقاييس:

  1. تفاهمات الكارتل: تحولت السوق إلى شبه “احتكار مقنن” بين شركات التوزيع الكبرى التي تواطأت ضمنياً (علنية أو ضمنية) على توحيد الأسعار نحو الأعلى، لتمتص أي انخفاض عالمي للنفط وتضخمه فورياً عند أي ارتفاع.
  2. شريان الحياة المقطوع: أدى غياب مصفاة وطنية تنافس المستوردين إلى ترك السوق المحلية رهينة في دست الشركات الأجنبية والمحلية المحتكرة لصهاريج التخزين، مما جعل سعر الغازوال يرتفع لمستويات قياسية أثقلت كاهل النقل المهني وهددت القدرة الشرائية لعموم المغاربة بالغرق التام.

ثالثاً: ما الذي خسره المغرب حقاً؟ (فاتورة العبث الطاقي)

إن الخسائر المغربية الناجمة عن هذه السياسات الرعناء لا تُقاس بالأرقام المالية المباشرة فحسب، بل تمتد لتنحر مقومات السيادة برمتها:

  • ضياع الأمن الطاقي: أصبح المغرب يعيش على “كف إفريفيا” وسلاسل الإمداد العالمية البحرية والبرية؛ فبأي لحظة توتر في مضيق مالاكا أو باب المندب أو البحر الأحمر، يصاب الاقتصاد المغربي بشلل نصف في محطات الوقود.
  • إهدار مليارات الدولارات: تم استنزاف المليارات من العملة الصعبة لدعم استيراد الغازوال الجاهز، وهي أموال كان يمكن توجيهها للاستثمار في الباميات الداخلية أو الطاقات المتجددة بدل رميها في جيوب شركات التكرير الدولية.
  • فقدان الثقة الاستثمارية: إن ملف مصفاة “سامير” وتجاهل القضاء للدعوات المتكررة لإعادة تشغيلها (سواء بالتأميم المؤقت أو عبر تسوية قضائية تضمن المصلحة العامة) بعث برسالة سلبية للغاية للمستثمرين الأجانب حول غياب الأمان القانوني وضبابية القواعد الناظمة للاستثمار في مفاصل الدولة الحساسة.

خلاصة لاذعة:

لقد أثبتت أزمة الغازوال وملف مصفاة “سامير” أن العقلية البيروقراطية التي تُدار بها مقدرات الطاقة في المغرب تعاني من قصر نظر مأساوي. فبينما تتجه دول العالم نحو تعزيز سيادتها واحتياطاتها الاستراتيجية، اختارت الرباط تسليم مفاتيح أمنها الطاقي للشركات الأجنبية ولوبيات الريع الداخلي. وما لم تكن هناك شجاعة سياسية حقيقية لتصحيح هذا الانحراف التاريخي وإعادة إحياء التكرير الوطني، سيظل الاقتصاد المغربي يلهث خلف فقاعات الأزمات، ضحيةً لقرارات كارثية لا تُنتج سوى مزيد من الهشاشة والتبعية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك