اخر الاخبار

هندسة الطحن البطيء: كيف أعادت هيئة الأركان الروسية صياغة استراتيجية “المراجل الصغيرة” في أوكرانيا؟

حسنين خلوف

في فجر الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، دخلت موسكو الميدان بعقيدة “الصدمة والروع”؛ محاولات سريعة لاختراق الأعماق والوصول إلى كييف عبر طوابير مدرعة طويلة. لكن هذا الرهان الكلاسيكي تصدع سريعاً أمام صلابة الدفاعات الأوكرانية والدعم الاستخباراتي الغربي. ومن رحم ذلك الإخفاق التكتيكي الأول، وُلد تحول جذري في عقم التفكير العسكري الروسي.

لم تعد هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية تبحث عن النصر الخاطف، بل استندت إلى إرثها التاريخي العميق في الحرب المنهجية لتبتكر أو تعيد تفعيل عقيدة “المراجل الصغيرة” (Little Cauldrons / Kettling)؛ وهي الفلسفة التي تحولت إلى المخرطة الاستراتيجية التي تطحن بها موسكو الجيش الأوكراني ببطء وثبات.

أولاً: ما هي عقيدة “المراجل الصغيرة”؟ (من الحرب الكلاسيكية إلى طحن الموارد)

تاريخياً، عُرفت العقيدة السوفيتية بمفهوم “المراجل الكبرى” (كما حدث في معارك الحرب العالمية الثانية الكبرى مثل ستالينغراد)، حيث كانت الجيوش تحيط بكتشلات ضخمة من قوات العدو. لكن في ساحة معارك دونباس المفتوحة والمتحصنة بعمق، تكيّفت هيئة الأركان الروسية مع الواقع عبر تصغير حجم هذه الدوائر.

تعتمد فلسفة “المراجل الصغيرة” على الآتي:

  1. التقدم المجهري والتطويق المرحلي: بدلاً من الاندفاع عبر مساحات واسعة تتكبد فيها القوات خسائر فادحة في خطوط الإمداد، تتحرك القوات الروسية ببطء وتدريج (متر بمتر) عبر قصف مدفعي وجوي ساحق يمهد الأرض.
  2. عزل المدن والعقد الحصينة: تركز الأركان على الالتفاف حول المدن أو البلدات الاستراتيجية المرتفعة، وقطع خطوط الإمداد الوحيدة (عبر النيران المركزة لا عبر الحصار الكامل فوراً)، لإنشاء حلقة ضغط خונقة على القوات المدافعة.
  3. تحويل المدافع إلى أهداف ثابتة: إجبار القوات الأوكرانية على البقاء داخل المدن المحاصرة لتدافع عنها بأي ثمن، مما يحولها من قوات مرنة إلى أهداف مكشوفة ومثالية للمدفعية الثقيلة والطائرات المسيرة الروسية.

ثانياً: ركائز التغيير في فلسفة الأركان الروسية

لم يكن التحول نحو “المراجل الصغيرة” تغييراً تكتيكياً عابراً، بل رافقه إعادة هيكلة جذرية في إدارة العمليات العسكرية:

  • تدمير الاستنزاف المتبادل (الرياضيات العسكرية القاسية): أدركت الأركان الروسية أن التفوق الأكبر لموسكو يكمن في الكتلة البشرية والصناعية الكبيرة. وعليه، صُممت “المراجل” لتكون مفرمة لحم تفرض على أوكرانيا استنزاف قواتها النخبوية في معارك دفاعية مستميتة، بينما يعتمد الروس على القصف المدفعي والجوّي الرخيص نسبياً لحصد الأرواح.
  • المرونة اللوجستية وتأمين الأجنحة: تعلمت القيادة الروسية من أخطاء عام 2022 عبر تأمين خطوط الإمداد الخلفية بشكل صارم، وعدم السماح بمد أجنحة طويلة وهشة قد تتعرض لهجمات مضادة (كما حدث في خاركيف وخيرسون سابقاً). كل تقدم يتم تثبيته وتحصينه هندسياً قبل الانطلاق نحو المرحلة التالية.
  • التكامل الناري الكثيف ($Fire Superiority$): تدار هذه المراجل بعصب ناري هائل يعتمد على القنابل الانزلاقية المدمرة ($FAB-500$ و$FAB-1500$)، والمسيرات الانتحارية، وغزارة المدفعية التي تمنع أي قوة أوكرانية من فك الحصار أو الانسحاب بسلام.

ثالثاً: التطبيق العملي.. من باخموت إلى معاقل دونباس

تجسدت هذه الفلسفة بأجلى صورها في معارك السيطرة على العقد الحصينة:

  • معركة باخموت ($Artyomovsk$) ثم أفضفك (Avdiivka) وصولاً إلى التقدم المستمر في اتجاه بوكروفسك ($Pokrovsk$)؛ ففي كل هذه المعارك، تجنبت الأركان الروسية الاقتحام المباشر والمكلف، وعمدت إلى تضييق الخناق تدريجياً عبر الأجنحة الشمالية والجنوبية، تاركةً طريقاً وحيداً ومكشوفاً نارياً (أطلق عليه الجنود الأوكرانيون “طريق الموت”) لتنسحب عبره القوات الأوكرانية تحت وطأة القصف الساحق.
  • هذا الأسلوب أدى إلى تفكيك الخطوط الدفاعية الأوكرانية المصممة بعناية على مدى سنوات، وجعل القوات الأوكرانية تضطر مراراً للانسحاب القسري مخلفةً خلفها آلياتها العسكرية الثقيلة وعتادها.

رابعاً: الببعاد الاستراتيجي للتحول

من منظور الإستراتيجية العسكرية الكبرى، نجحت هيئة الأركان الروسية عبر تكتيك “المراجل الصغيرة” في إعادة فرض إيقاع المعركة على الطرف الآخر.

لم تعد الحرب تُدار بمنطق السرعة السياسية والإعلانات الإعلامية، بل بمنطق “الآلة الطحّانة البطيئة”. إنها استراتيجية مصممة خصيصاً لكسر الإرادة العسكرية واللوجستية للخصم، مع تقليل الخسائر المباشرة في صفوف القوات النظامية الروسية قدر الإمكان.

خلاصة استراتيجية:

أثبتت هيئة الأركان الروسية قدرتها على التكيف المؤلم من خلال التخلي عن الأوهام الكلاسيكية والعودة إلى جذور العقيدة السوفيتية في الحرب المنهجية. وبدلاً من السis النبيل خلف الأهداف الخاطفة، تحولت الحرب في أوكرانيا تحت إدارة “المراجل الصغيرة” إلى حرب استنزاف جغرافية وبشرية، تُحسم فيها المعارك ليس بمن يرفع العلم أولاً، بل بمن يملك القدرة الأطول على احتمال طحن النزيف اليومي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك