العولمة بين الانفتاح وتآكل الروابط
العولمة بين الانفتاح وتآكل الروابط
رشيد مصباح (فوزي)
–
لم تعد كلمة «المؤامرة» غريبة عن أحاديث الأفراد والمجتمعات، بل إن بعض الجهات الرسمية نفسها تستعملها لتفسير ما يحدث من تحوّلات في العالم. لكن كثرة الحديث عن المؤامرة لا تجعلها حقيقة ثابتة، كما أن غياب الدليل القاطع لا يمنعنا من التساؤل عن الاتجاه الذي تسير فيه مجتمعاتنا، وعن الثمن الذي ندفعه مقابل الانفتاح على عالم لا يتوقّف عن التغيّر.
ولعل أبسط ما يمكن أن يفعله الإنسان العاقل هو أن يقارن بين أحوال المجتمعات قبل انتشار وسائل الاتصال الحديثة، وبعد أن أصبحت هذه الوسائل جزءًا لا يتجزّأ من الحياة اليومية. فالفارق واضح في أنماط العيش، وفي سلوك الأفراد، وفي العلاقات بين الأجيال، بل حتى في بعض العادات والتقاليد التي كانت تمنح كل مجتمع خصوصيته وتميّزه.
لقد جاءت العولمة بمنافع لا يمكن إنكارها؛ فقد قرّبت المسافات، ويسّرت الوصول إلى المعرفة، وفتحت أبوابًا واسعة للتواصل وتبادل الخبرات. لكن الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية يستحق بدوره التأمّل، خصوصًا حين تتحوّل الوسائل التي صُنعت لتقريب الناس إلى حواجز تفصل بينهم، وحين يصبح العالم الافتراضي أكثر حضورًا في حياة الإنسان من محيطه الحقيقي.
ولعلّ الجيل الذي عاش زمنًا كانت فيه الأسرة تجتمع حول مائدة واحدة، ويتبادل أفرادها الحديث دون أن تتوسّطهم الشاشات، يشعر اليوم بأن شيئًا جوهريًا قد تغيّر. لم تعد الجلسات العائلية كما كانت، ولم يعد حضور الإنسان في المكان يعني بالضرورة مشاركته من حوله؛ فقد يجلس أفراد الأسرة تحت سقف واحد، بينما يعيش كل واحد منهم في عالم رقمي منفصل عن الآخرين.
ولا ينبغي أن نحمّل التكنولوجيا وحدها مسؤولية كل ما يحدث، فالتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية أسهمت بدورها في إعادة تشكيل الحياة الأسرية. غير أن الاستخدام المفرط للشاشات، وما قد يصاحبه من عزلة واضطراب في النوم وتراجع في التواصل المباشر، يفرض علينا ألّـا نتعامل مع هذه الوسائل باعتبارها أدوات محايدة تمامًا، بصرف النظر عن طريقة استعمالها والمحتوى الذي تقدّمه.
وتزداد المسألة حساسية عندما يتعلّق الأمر بالقيم التي تقوم عليها الأسرة، وفي مقدّمتها احترام الوالدين والإحسان إليهما. فقد أصبح بعض الآباء يشعرون بأن المسافة بينهم وبين أبنائهم لم تعد تُقاس بالسنوات أو باختلاف التجارب وحدهما، بل باختلاف المرجعيات أيضًا؛ فالأب الذي تربّى على قيم معيّنة يجد نفسه أحيانًا أمام جيل يستمدّ تصوّراته من مصادر لا حصر لها، تتداخل فيها الثقافات، وتتفاوت فيها المعايير الأخلاقية.
ولا يعني ذلك أن أبناء الجيل الجديد جميعًا قد تنكّروا لقيم أسرهم، أو أن الأجيال السابقة كانت خالية من التقصير. فلكل جيل مشكلاته وأخطاؤه، كما أن وسائل الاتصال الحديثة أتاحت للشباب فرصًا واسعة للتعلّم والتعبير عن الذات. لكن من الإنصاف أن نتساءل عن أثر بعض المضامين التي تُقدَّم عبر المنصات الرقمية، وعن مدى انسجامها مع القيم التي تريد الأسرة المحافظة أن تنقلها إلى أبنائها.
وقد لا يكون الخطر في مشاهدة عمل تلفزيوني أو متابعة منصة بعينها، بقدر ما يكمن في التلقّي غير النقدي، وفي تحوّل ما يُعرض على الشاشة إلى مرجع يُقاس عليه الصواب والخطأ، دون وعي بالفوارق بين المجتمعات أو إدراك لما تحمله بعض المضامين من تصوّرات مغايرة لقيم الأسرة.
ومن أكثر ما يستحق الوقوف عنده مفهوم العقوق نفسه. فالبعض قد يحصره في الاعتداء الجسدي على الوالدين، أو إهانتهما الصريحة، أو التخلّي عنهما عند الحاجة، متناسيًا أن الإساءة قد تبدأ بكلمة، أو بنبرة، أو بتجاهل متعمّد، أو بإشعارهما بأنهما عبء ثقيل على حياة أبنائهما.
وقد وضع القرآن الكريم معيارًا بالغ الدقة في قوله تعالى:
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
إنها دعوة إلى تهذيب السلوك في أدقّ تفاصيله، لا إلى الاكتفاء بتجنّب الإيذاء الفاضح. ويؤكّد المعنى نفسه قوله تعالى في شأن الوالدين:
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.
فالمطلوب ليس مجرّد أداء الواجبات المادية أو القيام بما تفرضه الضرورة، بل الصحبة بالمعروف، بما تتضمنه من احترام ورفق واهتمام ومراعاة للمشاعر. وليس من البرّ أن يوفّر الابن لوالديه ما يحتاجان إليه من مال، ثم يعاملهما بجفاء أو يشعرهما بأن وجودهما يعطّل حريّته الشخصية.
ومع ذلك، ينبغي ألّـا نخلط بين برّ الوالدين والطاعة المطلقة في كل شيء، أو أن نعتبر كل اختلاف في الرأي عقوقًا. فالعلاقة السليمة تقوم على الاحترام المتبادل، وتسمح بالنقاش والاختلاف، من دون إهانة أو قطيعة أو تنكّر للواجب الأخلاقي.
إن ما يقلقنا، إذن، ليس مجرّد تغيّر العادات، فالثقافات لم تكن يومًا جامدة، بل احتمال أن نفقد، تحت ضغط التحوّلات المتسارعة، بعض القيم التي تمنح حياتنا معناها وتضمن تماسك مجتمعاتنا. وحين تصبح المصلحة الشخصية مقدّمة على صلة الرحم، والحرية منفصلة عن المسؤولية، والتواصل الرقمي بديلًـا عن الحضور الإنساني، فإن المشكلة تتجاوز حدود التكنولوجيا لتصبح مسألة تربوية وثقافية وأخلاقية.
وهنا يعود السؤال الذي يطرحه بعض المتديّنين والمحافظين:
هل وصول هذه الوسائل والمضامين إلى مجتمعاتنا مجرّد نتيجة طبيعية للتطور التقني والانفتاح العالمي، أم أن هناك مصالح تجارية وثقافية تسهم في نشر أنماط معينة من الحياة، دون اكتراث كافٍ بما قد تُحدثه من آثار في المجتمعات المختلفة؟
لا يكفي أن نسمّي كل تحوّل مؤامرة، كما لا يصحّ أن نعتبر كل ما يأتي من العالم المتقدّم خيرًا لمجرّد أنه حديث. المطلوب هو التمييز بين التطور الذي يخدم الإنسان، والتأثير الذي يضعف قدرته على الاختيار الواعي، وبين الانفتاح الذي يوسّع آفاقنا والانبهار الذي يجعلنا نتخلّى عن خصوصيتنا دون تفكير.
فالمجتمعات الواثقة من نفسها لا تخاف المعرفة، ولا تعادي التكنولوجيا، لكنها لا تتنازل عن حقها في اختيار ما يناسبها، ولا تترك أبناءها أمام سيل المضامين الرقمية من دون تربية نقدية وحوار أسري وقدوة حسنة.
فإذا كانت العولمة قد جعلت العالم قرية واحدة، فهل يعني ذلك أن نتخلّى عن خصوصيتنا لنصبح نسخًا متشابهة، أم أن التحدّي الحقيقي هو أن ننفتح على العالم دون أن نفقد أنفسنا؟


إرسال التعليق