بنفكر في الناس.. ولا حد فكر فينا!

عبد الرحمن إبراهيمي

يا أصدقائي، ويا أصحاب القلوب الطيبة التي تحترق لتضيء لغيرها، تعالوا اليوم نفتح الدفتر القديم للغلطة الأكبر في تاريخ البشرية: غلطة الاهتمام بالآخرين!

منذ أن فتحنا عيوننا على الدنيا، ونحن نتربى على قواعد “الأصول”، و”الواجب”، و”جبر الخواطر”، و”دير بالكم على فلان لا يزعل”، و”اسألوا عن علان حتى لا يشعر بالوحدة”. تحولنا تدريجياً إلى “موظفين مجانيين في خدمة الراحة النفسية للجميع”، بينما نحن؟ لا أحد.. تكرر: لا أحد، كلف نفسه عناء السؤال عنا إن كنا نموت في هذه اللحظة أو نأكل خبزاً حافاً!

سجل الضحايا: متى نفكر في أنفسنا؟

لو أن هناك جائزة تقدم لمن يحترق ليُدفئ الغرباء، لحصلنا عليها بلا منازع. إليكم عيّنة من مسرح العبث اليومي الذي نمارسه بحق أعصابنا:

  1. مأساة تذكر المناسبات: أنت الشخص الوحيد الذي يتذكر تواريخ ميلاد الجميع، وأعياد زواجهم، وأوقات حزنهم وفرحهم. رسائل التهنئة والتعزية تخرج من هاتفك بدقة ساعة سويسرية. ولكن.. حين يأتي دورك؟ تمر أعياد ميلادك وكأنك قطعة أثاث في صالة غير مفروشة، لا أحد يلتفت، ولا حتى برسالة جافة تقول: “كل عام وأنت طيب يا غلبان”!
  2. قانون “المتاح دائماً”: أنت دائماً جاهز للاستماع لمشاكل الجميع. فلان يتصل بك في منتصف الليل ليحكي لك عن مشاكله، وعلان الآخر يبكي عندك لأنه خسر صفقة، وأنت تنصت بكل جوارحك وتواسي وتهدئ. وما إن تحاول يوماً أن تبوح بوجعك، حتى يختفي الجميع بقدرة قادر، أو يخبرك أحدهم ببرود: “معليش.. كلنا عندنا ظروف، لا تضغط علينا!”.
  3. لعبة العتاب الصامت: تتوقف عن السؤال لفترة قصيرة لترى إن كان أحد سيفتقدك أو يسأل عن غيابك. النتيجة؟ صمت رهيب يشبه صمت المقابر! تكتشف بمرارة أن وجودك كان مجرد “ديكور مؤقت” أو خدمة توصيل مجانية للطمأنينة، وأن غيابك أو حضورك سيان.

لماذا نفكر في الناس أصلاً؟

لأننا خُدعنا منذ الطفولة بأكذوبة “الناس للناس”. نسوا أن يخبرونا أن الناس اليوم أصبحت مشغولة بأنفسها، وبجمع أشيائها، وبمحاولة النجاة من معاركها الخاصة، ولم يعد في قلوبهم متسع لتعليق “برواز” لاسمك أو سؤال عن حالك.

التفكير المستمر في الآخرين بينما هم ينسونك هو نوع من أنواع الانتحار النفسي البطيء؛ أنت تمنحهم طاقتك الروحية كاملة، وتأخذ في المقابل وعوداً بالنسيان، وتذاكر ذهاب بلا رجعة في قطار التجاهل.

لذا يا أصدقائي، حان الوقت لإعلان “الإضراب الشامل عن الاهتمام بالآخرين”. من هذه اللحظة، ضعوا لأنفسكم خطاً أحمر سميكاً: من لا يسأل، لا نذكر حتى اسمه؛ ومن لا يفكر فينا، فليذهب إلى الجحيم بسلام وبلا عتب!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك