فخ الابتزاز العاطفي.. (أو: كيف تُباع وتشتري بحسن النية!)

عبد الرحمن إبراهيمي

يا سادة يا كرام، ويا اصحاب القلوب الطيبة والمغفلين باختيارهم، تعالوا اليوم نخلع عباءة السياسة ونترك الاقتصاد جانباً، لنغوص في مستنقع آخر لا يقل قذارة ولا إيلاماً: فخ الابتزاز العاطفي!

في العادة، عندما نسمع كلمة “ابتزاز”، يتبادر إلى أذهاننا الأفلام البوليسية ورجال العصابات الذين يهددونك بصور قديمة أو بملفات سرية. لكن الحقيقة الأكثر مرارة، والتي نمارسها ونقع ضحيتها كل يوم، هي ذلك الابتزاز الناعم، المصنوع بعناية فائقة، والمغلف بعبارات المحبة والحرص والدموع الباردة: ابتزاز المشاعر!

كتالوج الابتزاز العاطفي في العلاقات اليومية

هذا الفخ لا يحتاج إلى مسدس ولا إلى غرفة مظلمة، بل يحتاج فقط إلى شخص يتقن دور “الضحية المظلومة” وشخص آخر يعاني من “عقدة الذنب المزمنة”. إليكم أبرز أساليب هذا الفن اللعين:

  1. سلاح “لو كنت بتحبني بجد…”: الجملة السحرية التي تفتك بأعصابك فور سماعها. تبدأ العبارة ببراءة، لتتحول إلى مقصلة قانونية تطالبك بالتنازل عن وقتك، ومالك، وكرامتك، وأحياناً عن عقلك ذاته، فقط لتثبت أنك “محب مخلص” ولا تخون العهد.
  2. لعبة الشعور بالذنب (صانع العقد النفسية): أن تفعل المستحيل لإرضاء أحدهم، وحين تقصر في تفصيلة تافهة واحدة، ينظر إليك نظرة انكسار مرعبة، ويقول بصوت مخنوق: “مابصتش للي عملته عشالك.. بس تمام، براحتك”. هنا تشعر وكأنك أحرقت روما بينما أنت كل ما فعلته أنك نسيت شراء رغيف خبز!
  3. الضحية الأبدية: الشخص الذي لا يخطئ أبداً، وكل مشاكله في الحياة سببها “قلبك القاسي” وجحودك المستمر. يقلب الطاولة عليك في كل نقاش، حتى تجد نفسك في نهاية الشجار جالساً على ركبتيك تعتذر له على كونه هو من ظلمك!

لماذا نسقط في الفخ بكل رغبتنا؟

لأننا جُبلنا على الخوف من الوحدة، وخُدِعنا طوال حياتنا بأن “التضحية العمياء” هي المعيار الوحيد للحب الحقيقي. الابتزازي العاطفي يشم رائحة “الطيبين” من مسافة كيلومترات، فيغرس أنيابه في رصيدك العاطفي، ويستنزفك قطرة قطرة، حتى تصبح كائناً بلا رأي، يعيش فقط ليرضي مزاج سيده المبتزاز.

إنها باختصار، غرفة توريد بلاستيكية لكل طاقاتك النفسية، تخرج منها مفلساً عاطفياً، ومحملاً بآلاف الديون الروحية التي لن تسدها أبداً.

لذا يا سادة، إن أردتم نصيحة خبير تجرع من هذا الكأس حتى الثمالة: لا تقبلوا بأن يكون قلبك “ممشى للمشاة” لكل من يحمل حقيبة ابتزاز. متى ما شعرت أن الحب يتحول إلى قيد، وأن العطاء أصبح إجباراً مقروناً بالدموع المصطنعة.. اهرب بجلدك!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك