دوائر الاستخبارات الدولية وتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة: تحليل العوامل المؤثرة في بقاء نتنياهو

محمد عبد الكريم يوسف

المقدمة

يطرح السؤال عن دور “دوائر الاستخبارات الدولية” في تقييم فرص بنيامين نتنياهو لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة إشكالية منهجية عميقة. فمن جهة، تُعدّ هذه الدوائر – بحكم طبيعة عملها – مصدراً للمعلومات والتقديرات التي تُغذّي صناع القرار، لكنها نادراً ما تُصدر تصريحات علنية حول المسائل السياسية الداخلية لدول أخرى. ومن جهة أخرى، يشير عنوان هذا البحث إلى ادعاء محدد مفاده أن هذه الدوائر ترى في نتنياهو “الوحيد القادر” على تشكيل الحكومة القادمة لعدة أسباب.

يهدف هذا البحث إلى تحليل هذا الادعاء، وفحص الأسس التي قد تستند إليها مثل هذه التقديرات – سواء صدرت صراحة أو ظلت ضمنية – من خلال مراجعة الأدبيات والتحليلات الاستخباراتية والدراسات الأكاديمية. ويسعى إلى الإجابة عن سؤال مركزي: ما هي العوامل التي قد تجعل نتنياهو، من منظور تحليلي استخباراتي، المرشح الأقوى – أو الوحيد – القادر على تشكيل الحكومة المقبلة، وما هي حدود هذا التقييم؟

أولاً: الإطار المنهجي – كيف تُقرأ “تقديرات الاستخبارات”؟

1.1 التمييز بين التقديرات الاستخباراتية والتقديرات الأكاديمية

تختلف التقديرات الاستخباراتية عن التقديرات الأكاديمية في عدة جوانب. فالتقديرات الاستخباراتية تُنتج في ظروف من عدم اليقين، وتُوجَّه لخدمة قرارات عملياتية أو سياسية فورية، وغالباً ما تكون سرية. أما التقديرات الأكاديمية فتُنتج في ظروف من الانفتاح النسبي، وتخضع لمعايير الصرامة المنهجية، وتُنشر علناً. وعندما يُشار إلى “دوائر الاستخبارات الدولية” في سياق تحليلي، فإن المقصود غالباً ليس تصريحات رسمية صادرة عن وكالات استخبارات، بل تقديرات تحليلية تُنسَب إلى خبراء أو مراكز بحثية أو مسؤولين سابقين، وقد تتبناها أجهزة الاستخبارات داخلياً دون أن تُعلنها.

1.2 مصادر التقديرات المتعلقة بالحكومة الإسرائيلية

في حالة إسرائيل، تتعدد مصادر التقديرات المتعلقة بالاستقرار السياسي وتشكيل الحكومات. وتشمل هذه المصادر: التحليلات التي تُعدّها أقسام الأبحاث في أجهزة الاستخبارات (مثل شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” والموساد والشاباك)، والتقارير التي تُعدّها مراكز الأبحاث الإسرائيلية والأمريكية، والتصريحات التي يدلي بها مسؤولون سابقون في هذه الأجهزة. وتشير تقارير إلى أن “رئيس الوزراء يحتفظ لنفسه بصلاحيات واسعة في تفسير البيانات الاستخباراتية، وغالباً ما يستخدم قنوات اتصال أحادية الاتجاه لتقديم رواية للجمهور تخدم مصالحه السياسية”. وهذا يعني أن العلاقة بين نتنياهو والأجهزة الاستخباراتية ليست علاقة “تلقي تقديرات محايدة”، بل علاقة تفاوض وصراع على السردية.

ثانياً: العوامل التي قد تُبنى عليها تقديرات “القدرة الوحيدة” على التشكيل

2.1 الخبرة الأمنية كرأس مال انتخابي

يُعدّ السجل الأمني لنتنياهو، من منظور انتخابي، أحد أقوى أوراقه. فقد خدم في وحدة “سايرت ماتكال” النخبوية، وشارك في عمليات نوعية، وعُرف بـ”السيد أمن” (Mr. Security) خلال عقود من النشاط السياسي. وقد بنى نتنياهو خطابه الانتخابي الأخير على هذه الصورة، إذ “يعزّز توظيف العامل الأمني في خطابه الانتخابي، مستنداً إلى التهديدات المتصاعدة لتقديم نفسه بوصفه الأقدر على حماية إسرائيل وإدارة أزماتها”. وتشير التحليلات إلى أن “نتنياهو يميل إلى توظيف الإنجازات الأمنية والاستخبارية بدلاً من الدخول في عملية عسكرية واسعة غير مضمونة النتائج، لأن أي إخفاق عسكري… يُعدّ عبئاً انتخابياً إضافياً عليه”.

2.2 القدرة على المناورة الائتلافية

يُعدّ نتنياهو، من الناحية التاريخية، الأكثر قدرة على بناء ائتلافات حاكمة. وقد لاحظت التحليلات أنه “كان الوحيد القادر على جمع ائتلاف معاً – صفقة فاوستية حقيقية”. ويعود ذلك إلى قدرته على الجمع بين أحزاب اليمين الديني القومي والأحزاب الحريدية، وهو ما لا تستطيع قيادات المعارضة فعله بسهولة. وتشير السيناريوهات المطروحة إلى أن “أكثر السيناريوهات سلاسة هو حصول بنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت على أغلبية (61 مقعداً) تُتيح لأحدهما تشكيل حكومة مريحة”، مع احتمال “تشكيل حكومة تجمع بين نتنياهو وآيزنكوت”. وهذا يعني أن نتنياهو، حتى في أسوأ السيناريوهات، يظل أحد قطبين لا يمكن تجاوزهما في أي معادلة تشكيل.

2.3 إعادة تشكيل الأجهزة الاستخباراتية كأداة للبقاء

من أهم العوامل التي قد تعزز قدرة نتنياهو على البقاء السياسي هو إعادة تشكيله للمؤسسة الاستخباراتية بما يخدم مصالحه. فقد قام بتعيين رومان غوفمان، وهو ضابط عسكري بلا خبرة استخباراتية سابقة، رئيساً للموساد، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً. ويشير تقرير “الحرب على الصخور” (War on the Rocks) إلى أن “علاقة نتنياهو بأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد تكون لها عواقب وخيمة على الديمقراطية الإسرائيلية”. ويُتهم نتنياهو بأنه “عيّن موالين لقيادة جهازي الاستخبارات الرئيسيين، الشاباك والموساد”، مما أثار مخاوف من “تسييس الأجهزة الأمنية”. وتشير تحليلات إلى أن “القرب من رئيس الوزراء أصبح بوابة النفوذ الأولى داخل دولة طالما تفاخر قادتها بمهنية أجهزتها”. وهذا يعني أن نتنياهو لا يكتفي بتلقّي التقديرات الاستخباراتية، بل يعيد تشكيل المؤسسة التي تنتجها.

2.4 الانقسامات داخل المعارضة

من العوامل الموضوعية التي قد تجعل نتنياهو “الوحيد القادر” هو الانقسام الحاد داخل معسكر المعارضة. فوفقاً لاستطلاعات الرأي، “لا يبلغ أي من معسكر نتنياهو أو المعارضة عتبة 61 مقعداً من أصل 120″، لكن “معظم قادة أحزاب المعارضة يقولون إنهم يرفضون الاعتماد على دعم الأحزاب العربية لتشكيل حكومة، ما يبقي احتمالات تشكيل ائتلاف حاكم غير محسومة”. وتشير التحليلات إلى أن “المعارضة لا تمتلك مساراً واضحاً لتشكيل حكومة جديدة”. وإذا أضفنا إلى ذلك “حالة الاستقطاب الحادة حول رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو”، يتضح أن نتنياهو – رغم كل التحديات – يظل الفاعل الوحيد الذي يمتلك “بنية ائتلافية جاهزة” يمكن تفعيلها بسرعة.

2.5 ورقة التهديدات الأمنية

تشير تحليلات إلى أن “الانتخابات نفسها تجري داخل بيئة أمنية استثنائية، الأمر الذي يفتح المجال أمام تداخل أكبر بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات الانتخابية”. ونتنياهو “يركز في حملته على تقديم نفسه باعتباره القادر على التعامل مع التهديدات الإقليمية”. وقد حذّر مؤخراً من أن “هناك مؤشرات على أن أعداء إسرائيل قد يشنون هجوماً قبل الانتخابات”. وهذا الخطاب، بغض النظر عن دقته، يخدم هدفاً انتخابياً واضحاً: تقديم نتنياهو باعتباره “الرجل الوحيد” الذي يمتلك الخبرة والصلاحيات الأمنية للتعامل مع الأزمات.

ثالثاً: حدود التقديرات “الاستخباراتية” ومخاطر المبالغة

3.1 لا توجد تقديرات استخباراتية علنية بهذا المعنى

من المهم التأكيد على أنه لا يوجد – وفقاً للمصادر المتاحة – أي بيان رسمي صادر عن “دوائر الاستخبارات الدولية” يقول صراحة إن نتنياهو هو “الوحيد القادر” على تشكيل الحكومة. ما يوجد هو تحليلات من خبراء ومراكز بحثية، وبعضها يُنسب إلى مسؤولين سابقين في الأجهزة الأمنية، لكن هذه ليست “تقديرات استخباراتية” بالمعنى الرسمي. بل على العكس، تشير تقارير إلى أن “دوائر الاستخبارات والإدارة الأمريكية” لديها مخاوف متزايدة من أن “نتنياهو قد يتحرك في اتجاه يقوّض التفاهم السياسي” مع واشنطن. وهذا يعني أن العلاقة بين نتنياهو وهذه الدوائر ليست علاقة دعم غير مشروط.

3.2 خطر الانحياز التحليلي

ثمة خطر منهجي في تبني فرضية “الوحيد القادر” دون فحصها. فهذه الفرضية قد تكون نتاجاً لـ”الانحياز التأكيدي” (Confirmation Bias) الذي يجعل المحللين يبحثون عن الأدلة التي تؤكد الفرضية ويتجاهلون ما يناقضها. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن “نتنياهو خسر أمام آيزنكوت في سؤال حول الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة، حيث حصل على 41% مقابل 47%”، كما خسر أمام بينيت بنسبة 41% مقابل 45%. وهذه الأرقام لا تدعم فرضية “الوحيد القادر” بشكل قاطع.

3.3 المخاطر على الديمقراطية الإسرائيلية

من المخاطر التي تثيرها فرضية “الوحيد القادر” أنها قد تُستخدم لتبرير تراجع الديمقراطية الإسرائيلية. فقد حذّر أكاديميون من أن “صراعات نتنياهو مع الشاباك هي سمة مميزة للقادة الشعبويين وقد تكون لها عواقب وخيمة على الديمقراطية الليبرالية الإسرائيلية”. ويُتهم نتنياهو بأنه “يسعى للتوغل الكامل في الحكم من خلال نقل شعبة الاستخبارات من الجيش الإسرائيلي لتكون تابعة له مباشرة”. وإذا كان “الوحيد القادر” هو من يعيد تشكيل الأجهزة الأمنية لخدمته، فإن هذا ليس دليلاً على قدرته، بل على خطر تركز السلطة.

الخاتمة

يُظهر هذا التحليل أن فرضية “نتنياهو هو الوحيد القادر على تشكيل الحكومة القادمة” – كما تُنسب إلى دوائر الاستخبارات الدولية – لا تصمد كتوصيف رسمي أو دقيق. فما تقدمه هذه الدوائر هو تقديرات ظرفية، وليست تصريحات علنية. ومع ذلك، يمكن القول إن هناك عوامل موضوعية تجعل نتنياهو أحد أقوى المرشحين لتشكيل الحكومة: خبرته الأمنية الطويلة، وقدرته الفريدة على المناورة الائتلافية، وإعادة تشكيله للأجهزة الاستخباراتية بما يخدم بقاءه، والانقسامات داخل المعارضة، وورقة التهديدات الأمنية التي يستثمرها انتخابياً.

لكن هذه العوامل لا تعني أنه “الوحيد القادر”، ولا أن “دوائر الاستخبارات” تتبنى هذا الرأي. فالانتخابات لم تُجرَ بعد، واستطلاعات الرأي متقلبة، والتحالفات قابلة للتغير. والأخطر من ذلك أن تبني فرضية “الوحيد القادر” قد يتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها: فإذا اقتنعت الأوساط السياسية والأمنية بأن لا بديل، فإنها قد تتخلى عن البحث عن بدائل، مما يعزز وضع نتنياهو بغض النظر عن أدائه. وهذا ليس تقديراً استخباراتياً، بل فشلاً في التقدير.

المراجع

  1. “From Shin Bet to Mossad, Netanyahu Reshapes Israeli Intelligence,” War on the Rocks, 1 يوليو 2026.
  2. “Netanyahu is accused of appointing loyalists to lead Israeli intelligences agencies,” NPR, 21 مايو 2026.
  3. “محللان يكشفان لمصدر خيارات تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة,” شبكة مصدر الإخبارية, 29 سبتمبر 2026.
  4. “استطلاع في إسرائيل: 53 مقعدا للمعارضة و51 لمعسكر نتنياهو,” الأناضول, 2 أكتوبر 2026.
  5. “التهديدات” مقابل التسريبات | نتنياهو للإسرائيليين: أنا مَن يدرأ الخطر,” الأخبار, 2 أكتوبر 2026.
  6. “انتخابات تحت ضغط الحرب.. هل تنتج إسرائيل حكومة مستقرة أم جولة انتخابية جديدة؟,” وكالة وطن للأنباء, 30 سبتمبر 2026.
  7. “视频丨情报误判归责问题成以色列大选重要议题,” 国际在线, 30 سبتمبر 2026.
  8. “Netanyahu set to form government in Israel,” Euronews, 22 ديسمبر 2022.
  9. “Tactical success, strategic stagnation: The urgent role of Intelligence,” Ynetnews, 31 مارس 2026.
  10. “نتنياهو يصنع لنفسه استخبارات خاصة للسيطرة على الحكم,” دار المعرفة, 12 يوليو 2025.
  11. “الاستخبارات الأميركية تحذر: نتنياهو قد يسعى لإفشال التفاهم بين واشنطن وطهران,” القدس العربي, 20 يونيو 2026.
  12. “مستقبل نتنياهو على المحك وسط تحالفات معقدة,” دار المعرفة, 2 أكتوبر 2026.
  13. “Netanyahu’s office reaches out to Knesset officials in latest effort to avoid testifying,” Haaretz, 6 ديسمبر 2024.
  14. “التهديدات الأمنية وتكتيك التصعيد.. ورقة نتنياهو لحسم المعركة الانتخابية,” إرم نيوز, 1 أكتوبر 2026.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك