في الجذور العميقة للصراعات السياسية في العالم العربي

عباس عز الدين

حين يطالع المرء المشهد السياسي في العالم العربي، لا يرى أمامه سوى مشهد أشبه بمسرح مابعد الكارثة؛ جثث متناثرة لمشاريع نهضويةجهضت في مهدها، وكيانات قطرية هشة تتهاوى عند أول هبة ريح إقليمية أو دولية، ومجتمعات تتجاذبها نعرات طائفية وعرقية كأنها صُممت خصيصاً لإبقائها في حالة استنزاف أبدي.

يكتفي المحللون السطحيون عادة بإرجاع هذه الصراعات المدمرة إلى عوامل ظاهرة: صراع على السلطة، أطماع إقليمية، أو تدخلات أجنبية فاجرة. غير أن قراءة التاريخ بعين نقدية فاحصة تكشف لنا أن ما نراه اليوم من حروب وأزمات ليس سوى “الصديد الناتج عن جرح عميق وغائر” تم تجاهله طويلاً. إن جذور الصراعات السياسية في العالم العربي لا تنبع من فراغ، بل هي نتاج حتمي لتشابك معقد بين إرث الاستبداد العثماني، وتقسيمات الاستعمار الحديث، وعجز البنى الاجتماعية عن إنتاج عقد اجتماعي حقيقي.

أولاً: الاستبداد المتوارث.. من “طاعة الظل” إلى تقديس الحاكم

الخطيئة الكبرى الأولى في البنية السياسية العربية تبدأ من المفهوم التاريخي للسلطة. فعلى مدار قرون طويلة من الحكم الإمبراطوري (التركي والمماليك وغيرهم)، تكرست في الوعي الجمعي ثقافة “الرعية” لا المواطنة:

  • الحاكم لم يكن يوماً ممثلاً للمجتمع أو خادماً لمصالحه، بل كان ظلاً لله على الأرض، أو “سلطاناً” قاهراً تُلتمس طاعته اتقاءً لشره وفتنته.
  • عندما ورثت الدولة الوطنية الحديثة (بعد الاستقلال الشكلي منتصف القرن العشرين) هذا الإرث، لم تقم ببناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية، بل استبدلت “السلطان العثماني” بـ “الزعيم الأبدي” أو “القائد الملهم”. وحين تغيب المؤسسات ويصبح الوطن ملكية خاصة لشخص أو عائلة أو نخب أمنية ضيقة، يتحول الصراع السياسي حتماً إلى “لعبة صفرية”؛ فإما أن تحكم كلياً أو تُسحق كلياً. من هنا تنبع شراسة الصراعات وغياب ثقافة التداول السلمي للسلطة؛ فالخروج من السلطة يعني بالضرورة الفناء السياسي والجسدي.

ثانياً: خطوط الرمال الاستعمارية.. دول بلا شعوب ومجتمعات بلا حدود

لا يمكننا فهم حروبنا الراهنة دون العودة إلى تلك الطاولة التي رسم فيها الدبلوماسيان البريطاني والفرنسي (سايكس وبيكو) خرائط الشرق الأوسط بقلم رصاص حاد، متجاهلين تماماً النسيج الأنثروبولوجي والديموغرافي للمنطقة:

  • لقد أُنشئت كيانات سياسية هشة تجمع تحت سقف واحد جماعات عرقية ودينية وثقافية متباينة تماماً، دون أن يمر هذا الاندماج بمخاض تاريخي طبيعي ينضج فيه “الشعور الوطني المشترك”.
  • في المقابل، تسببت هذه الحدود المصطنعة في شطر عائلات وقبائل ومجموعات ثقافية ووضعها في دول متناحرة. ونتيجة لذلك، ظلت الدولة القطرية الحديثة في العالم العربي عاجزة عن التحول إلى “مظلة جامعة” لكل أبنائها، وظلت الانتماءات الفرعية (العشيرة، الطائفة، العرق) هي الحصن الأخير الذي يلجأ اليه الفرد حين تخذله الدولة. هذا التناقض المستمر بين “هوية الدولة القانونية” و”الهوية العصبوية الواقعية” هو الوقود الدائم لكل حروبنا الأهلية والانقسامات السياسية.

ثالثاً: اقتصاد الريع والتبعية.. الحاكم الممول والمجتمع المعطل

السياسة في جوهرها انعكاس للاقتصاد. ولو نظرنا إلى البنية الاقتصادية للعالم العربي، سنفهم لماذا تفتقر منطقتنا إلى الحياة الديمقراطية:

  • معظم الدول العربية تعتمد في اقتصاداتها إما على “الريع النفطي” أو على “المساعدات الخارجية والديون”. في الدولة الريعية، لا يحتاج الحاكم إلى فرض ضرائب باهظة على المواطنين؛ وبالتالي، فهو لا يحتاج إلى “مساءلتهم” أو التفاوض معهم حول شكل الإنفاق أو المشاركة السياسية. المبدأ التاريخي الشهير “لا فرض ضرائب دون تمثيل سياسي” تم مقلوبه تماماً في العالم العربي ليصبح: “لا ضرائب، إذن لا حقوق سياسية!”.
  • هذا الاقتصاد أفرز طبقة من “أولغارشيا النهب” المرتبطة بالسلطة، والتي لا تقيم وزناً للإنتاج الحقيقي، بل تقتات على توزيع الريع. وحين تنضب الموارد أو تقع الأزمات المالية، ينهار هذا البناء الهش فوق رءوس الجميع، ليتحول الصراع السياسي إلى معركة ضارية بين أمراء الطوائف والشرائح المستفيدة على فتات الثروة المتناقصة.

رابعاً: أزمة الفكر السياسي وتجريف النخبة

وأخيرًا، فإن عمق الأزمة العربية يكمن في عجز النخب الثقافية والسياسية عن تقديم مشروع فكري حداثي يستلهم الواقع ولا يستسلمه:

  • لقد انقسمت النخب العربية تاريخياً بين “ماضوية متقوقعة” تحلم بإعادة إنتاج الماضي بكل تناقضاته، و”تغريبية عمياء” تقتبس النماذج الغربية وتلصقها قسراً على مجتمعات ذات بنية تقليدية مختلفة.
  • غاب الفكر النقدي المستقل، وحلّ مكانه إما إعلام التعبئة والسلطة، أو خطابات الهوية المأزومة التي تستدعي حروب التاريخ القديم لتخوض بها معارك الحاضر.

إن الصراعات السياسية في العالم العربي ليست قدراً أبديّاً، وليست لعنة جينية مرتبطة بهذه الرقعة الجغرافية، بل هي النتيجة المنطقية لتراكم قرون من الاستبداد، والتشوه البنيوي في مفهوم الدولة، والاقتصاد الطفيلي. إن أي خروج حقيقي من هذه النفق المظلم لن يتحقق بترقيعات سياسية مؤقتة أو بتسويات فوقية بين أمراء الحرب، بل يتطلب “ثورة فكرية وثقافية عميقة” تعيد الاعتبار للإنسان، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والفصل بين الثروة والسلطة. ما لم نجرؤ على تفكيك هذه الجذور المؤلمة، ستظل عجلات التاريخ العربي تدور في نفس الساقية الدموية إلى ما لا نهاية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك