اخر الاخبار

اسرار أول تفجير نووي فرنسي في صحراء الجزائر

أسرار “اليربوع الأزرق”.. سحابة الموت التي أحرقت صحراء الجزائر


الدكتور لكوص توفيق

في تمام الساعة السابعة وست والأربعين دقيقة من صبيحة الثالث عشر من فبراير/شباط سنة 1960، دوى انفجار هائل مزق سكون الصحراء الكبرى في منطقة رقان (بالجنوب الغربي للجزائر). تصاعدت سحابة سوداء عملاقة على شكل فطر مدمر بلغ ارتفاعها آلاف الأمتار، لترسل معها فرنسا رسالة استعراضية مدوية إلى العالم مفادها أنها انضمت رسمياً إلى النادي النووي العالمي.

تلك اللحظة المشؤومة التي أُطلق عليها اسم “اليربوع الأزرق” (Gerboise Bleue) لم تكن مجرد تجربة عسكرية عادية، بل كانت بداية لواحدة من أظلم الفصول الاستعمارية وأكثرها دموية في تاريخ الإنسانية، والتي لا تزال تفاصيلها وأسرارها تلقي بظلالها السامة على البيئة والإنسان حتى يومنا هذا.

فما هي خبايا وأسرار أول تفجير نووي في صحراء الجزائر؟ وكيف تحولت رمال رقان إلى مسرح لجريمة كبرى؟

أولاً: قوة تدميرية تفوق هيروشيما
حملت أول قنبلة ذرية فرنسية طاقة تفجيرية هائلة قدرت بما يتراوح بين 60 و70 كيلوطن، وهو ما يمثل أضعاف مضاعفة لقوة القنبلة التي ألُقيت على مدينة هيروشيما اليابانية أثناء الحرب العالمية الثانية.

لم يكن الهدف الفرنسي مجرد اختبار تقني، بل كان استعراضاً للقوة على أرض مستعمرة تُمارس فيها أبشع صور التجريب البشري والبيئي بعيداً عن رقابة الرأي العام الدولي ومؤسساته الحقوقية. وقد ترجم الجنرال الفرنسي شارل ديغول حجم نشوته بهذه الجريمة حين أرسل برقية تهنئة شهيرة لمركز العمليات قال فيها: “مرحى لفرنسا! لقد أصبحت منذ هذا الصباح أقوى وأكثر فخرا”.

ثانياً: البشر حقول تجارب.. السر المظلم للضحايا البشرية
الجانب الأكثر رعباً وسرية في تفجيرات رقان يتمثل في التعامل اللاإنساني مع الكائنات الحية والسيادة البشرية للمنطقة. وتشير الوثائق والشهادات التاريخية إلى أن السلطات العسكرية الفرنسية استخدمت أسرى جزائريين، إضافة إلى جنود فرنسيين ومانحين محليين من سكان الصحراء (كالطوارق والبدو)، كدروع بشرية وفئران اختبارات.

تم وضع هؤلاء الضحايا في خنادق وعلى مسافات متفاوتة من نقطة الصفر (المركز المفجر) دون أي وقاية أو ألبسة واقية من الإشعاعات، لمراقبة تأثير الموجات النووية والتفجيرية على الأجسام البشرية. لقد تُرك الجنود والعمال لعدة ساعات تحت تأثير السحابة المشعة ذاتها دون أدنى إكتراث بمصيرهم المجهول، في تعبير صارخ عن استهتار مطلَق بأرواح البشر.

ثالثاً: جغرافية الدمار.. 17 تفجيراً وميراث مسموم
لم تتوقف الجريمة عند حدود “اليربوع الأزرق”، بل فتحت الباب أمام سلسلة طويلة من التجارب النووية والكيماوية التي امتدت في صحراء الجزائر (بين رقان وعين أكر) لتشمل 17 تفجيراً رسمياً موثقاً (جوفية وساطية) حتى بعد استقلال الجزائر، مستغلة الثغرات الانتقالية للاتفاقيات السياسية.

تركت هذه التفجيرات طقساً إشعاعياً مدمراً، ومخلفات نووية مدفونة بعشوائية تحت رمال الصحراء، تسببت في أمراض سرطانية مستوطنة وتشوهات خلقية فظيعة بين أجيال السكان المحليين، فضلاً عن تلويث المياه الجوفية والبيئة الصحراوية لعقود طويلة. بل وأثبتت الدراسات البيئية الحديثة أن العواصف الرملية كانت تنقل جزيئات “السيزيوم 137” المشع عبر الرياح الموسمية حتى أقاليم أوروبية واسعة.

رابعاً: معركة الأرشيف الحصين والذاكرة المغيبة
إلى يومنا هذا، ترفض الإدارات المتعاقبة في باريس تسليم الأرشيف الكامل والخرائط الدقيقة لمواقع النفايات النووية المدفونة في الصحراء الجزائرية، محاولةً طمس الأدلة الدامغة على جرائمها ضد الإنسانية. وتصر الجزائر بدورها على أن طي صفحة الماضي الإستعماري يمر حتماً عبر الاعتراف الرسمي بهذه الجرائم، وتحمل فرنسا لمسؤوليتها الكاملة في تطهير المناطق المتلوّثة وتقديم التعويضات العادلة للضحايا.

إن أسرار “اليربوع الأزرق” والتفجيرات النووية في صحراء الجزائر ليست مجرد أوراق متطايرة في أرشيف الماضي، بل هي جرح ينزف في ذاكرة الوطن الإنسانية. إنها الشاهد الحي على أن ثمن حرية الجزائر كان باهظاً، دُفع من دماء أبنائها وسلامة بيئتها في مواجهة آلة استعمارية لم تتوانَ عن حرق الحجر والشجر والبشر في سبيل مجدها الوهمي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك