كارثة البيع بالتقسيط …واقع خدمات البيع بالتقسيط في الجزائر بين تسهيل المعيشة ورهان التجاوزات

عرفت السوق الجزائرية خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً في أنماط الاستهلاك والسلوك الشرائي للمواطنين، حيث أضحت خدمات البيع بالتقسيط واحدة من أكثر الآليات المعاملاتية انتشاراً وجاذبية لدى مختلف الفئات الاجتماعية. لم يعد هذا الخيار المالي محصوراً في شراء الأثاث أو الأجهزة الكهرومنزلية الدقيقة كما كان عليه الحال سابقاً، بل امتد ليشمل السيارات، الهواتف الذكية، المعدات الإلكترونية، والخدمات الترفيهية وحتى الرحلات السياحية وتكاليف المولدات والمستلزمات الموسمية. وفي ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، وتراجع القدرة الشرائية لشرائح واسعة من الطبقة المتوسطة والضعيفة أمام الارتفاع المتزايد في أسعار السلع، تقدم صيغ البيع بالتقسيط نفسها كحل سحري يتيح للمستهلك تلبية احتياجاته الفورية وتطوير نمط معيشته دون الحاجة إلى توفير السيولة النقدية الكاملة مسبقاً. غير أن هذه الصورة الوردية التي تُسوق لها الإعلانات البراقة تخفي خلفها واقعاً معقداً محفوفاً بالعديد من التجاوزات القانونية، الفوائد المستترة، والضغوطات المالية التي تحول في كثير من الأحيان هذه التسهيلات من طوق نجاة إلى مصيدة للديون التراكمية والتجاوزات الميدانية التي تمس بحقوق المستهلك الأساسية.

إن قراءة تفكيكية لواقع البيع بالتقسيط في الجزائر تكشف عن وجود مسارات متعددة لهذه المعاملة، تتراوح بين المعاملات البنكية الرسمية التي تخضع للرقابة الصارمة من طرف بنك الجزائر والمنظومة المصرفية، وبين خدمات التقسيط المباشرة التي يقدمها التجّار، أصحاب المحلات، والشركات الخاصة عبر منصات رقمية أو شبكات توزيع ميدانية. ولعل أكثر ما يثير القلق في هذا الملف هو الاتساع الشديد للفضاء غير المهيكل والرمادي للبيع بالتقسيط خارج المنظومة البنكية الرسمية. ففي الوقت الذي تبنت فيه البنوك الجزائرية صيغاً مالية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية مثل “المرابحة للآمر بالشراء” لتلبية تطلعات المواطنين الراغبين في تجنب الفوائد الربوية، لجأت العديد من الجهات التجارية الخاصة والأفراد إلى ابتكار آليات تقسيط خاصة تستغل الفراغ الرقابي وضعف الوعي القانوني لدى بعض المستهلكين، لفرض شروط مجحفة وهوامش ربح خيالية تتجاوز في كثير من الأحيان القيمة الحقيقية للسلعة بأضعاف مضاعفة.

وتتجلى أبرز التجاوزات التي تسجلها جمعيات حماية المستهلك والهيئات المختصة في الضبابية التي تكتنف صياغة العقود وشروط التعامل. فعند إبرام المعاملة، يُفاجأ المستهلك بحساب هوامش ربح تعسفية تحت مسمى “مصاريف الإدارة”، “رسوم دراسة الملف”، أو “خدمات التأمين”، وهي مصطلحات تُستخدم لتمويه الزيادات المشطة في السعر النهائي للسلعة. كما تتكرر ظاهرة امتناع بعض التجار عن تقديم عقود مكتوبة واضحة وموثقة تضمن حقوق الطرفين، والاكتفاء بدلاً من ذلك باقتطاعات مباشرة عبر حسابات بريدية أو استخدام صكوك بريدية على سبيل الضمان (الضمانة)؛ وهو سلوك يضع المستهلك تحت طائلة التهديد القانوني المباشر، ويشكل خرقاً صريحاً للتشريع الجزائري الذي يجرم استخدام الصكوك كأداة ضمان بدلاً من كونها أداة دفع فوري.

ولم تتوقف التجاوزات عند حدود التلاعب المالي والهوامش الربحية الشططية، بل امتدت لتمس جودة السلع والخدمات المقدمة ضمن صيغ التقسيط. يسجل الميدان حالات متزايدة لبيع أجهزة إلكترونية وكهرومنزلية مقلدة أو غير مطابقة للمواصفات المعيارية تحت غطاء التسهيلات المالية، مع تسليم ضمانات وهمية تتنصل منها المحلات بمجرد ظهور الأعطال الأولى. يجد المستهلك نفسه في هذه الحالة مكبلاً بدفع أقساط شهرياً لسلعة تعطلت عن العمل أو أصبحت غير صالحة للاستعمال، دون القدرة على فسخ العقد أو استرجاع أمواله بسبب الشروط المبالغ فيها المضمنة في الاستمارات التي وقّع عليها دون دراية كافية. كما يُلاحظ في الساحة التجارية غياب الشفافية في التشهير بالأسعار؛ إذ يُكتفى بعرض قيمة القسط الشهري بإغراء شديد مع إخفاء السعر المباشر (نقداً) والسعر الإجمالي النهائي بالتقسيط، مما يمنع المستهلك من المقارنة العقلانية لاتخاذ قرار شراء واعي ومبني على معطيات دقيقة.

ومن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة لهذه الظاهرة، نزوع بعض العائلات والأفراد إلى الاندفاع نحو الشراء المفرط بالتقسيط للحصول على كماليات لا تتناسب مع دخولهم الشهرية، مما يوقعهم في شباك ما يُعرف بـ “المديونية المفرطة” (Surendettement). يتحول الراتب الشهري في هذه الحالة إلى رهينة لأقساط متجمعة لجهات متعددة، مما يؤدي إلى تجفيف السيولة الأسرية وتوجيهها نحو تسديد الديون بدلاً من تغطية مصاريف الحياة الأساسية كالصحة، التغذية، والتعليم، وهو ما يولد ضغوطاً نفسية واجتماعية حادة تنعكس سلباً على استقرار الأسرة وتماسكها. كما استُحدثت في الآونة الأخيرة شبكات غير قانونية تستغل حاجة المواطنين للسيولة النقدية؛ حيث يقدم الشخص على شراء سلعة بالتقسيط بسعر مرتفع، ثم يقوم ببيعها فوراً لنفس التاجر أو لوسيط آخر بنصف سعرها نقداً (الكاش)، في معاملة مشبوهة تُعرف بـ “تحويل السلع إلى سيولة”، وهي ممارسة تنطوي على استغلال فاحد وجشع يرهق كاهل المحتاجين.

أمام هذا المشهد المعقد، بات من الضروري والملحّ إيجاد منظومة تنظيمية ورعائية صارمة تؤطر نشاط البيع بالتقسيط في الجزائر خارج الأطر البنكية، لحماية حقوق كافة الأطراف وإضفاء الشفافية على التعاملات. يقع على عاتق وزارة التجارة وترقية الصادرات، بالتنسيق مع جمعيات حماية المستهلك والسلطات الأمنية والقضائية، تكثيف الرقابة الميدانية على المحلات والشركات التي تمارس هذا النشاط، وإلزامها بوضع عقود نمطية قانونية تحدد بوضوح السعر الأصلي، نسبة الفائدة أو هامش الربح، مدة التسديد، وشروط الضمان والصيانة. كما تجب الشروع في حملات توعوية واسعة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية لرفع مستوى الفقه المالي والقانوني لدى المواطن، وتنبيهه إلى المخاطر المترتبة عن التوقيع على عقود مجحفة أو تقديم صكوك ضمان غير قانونية. إن ضبط سوق البيع بالتقسيط لا يعني إلغاء هذه الخدمة التي أثبتت نجاعتها في تنشيط الحركة التجارية ودعم الأسر، بل يعني تنظيمها وفق معايير أخلاقية وقانونية تضمن ألا تتحول التسهيلات المعيشية إلى فخ للابتزاز والاستغلال.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك