لا داعي للتوقف عن التدخين.. فأنت محترق سلفاً!

بسمة عمران

في زمن أصبح فيه الواحد منا يشبه شريحة “توست” تم نسيانها في المحمصة لمدة ثلاث سنوات متواصلة، يخرج علينا بين الحين والآخر خبراء الصحة وأطباء القلوب والعقول، ليمنحونا تلك المحاضرة التقليدية المملة عن: “أضرار التدخين، وضرورة الإقلاع الفوري، وكيف أن الرئة البشرية ليست مصفاة لزيت السيارات”.

عزيزي الطبيب الناصح، ويا صديقي المهتم بطول عمري.. هل تتفضل بالجلوس قليلاً وتوفير نصائحك الذهبية؟ لأنني ببساطة شديدة: لا داعي لأي محاولة للتوقف عن التدخين، فالعبد لله محترق تماماً من الداخل والخارج ولا حاجة لإشعال سيجارة لتكملة الجريمة!

الفصل الأول: الفارق العلمي الدقيق بين “السيجارة” و”الحياة المعاصرة”

يدرس العلماء بجدية بالغة كيف تؤدي السيجارة إلى تآكل الخلايا، لكنهم ينسون تماماً أن الإنسان المعاصر، وتحديداً في منطقتنا العربية المبروكة، يتعرض يومياً لجرعات من “الاحتراق الذاتي” تتجاوز بأضعاف مضاعفة ما تفعله علبة سجائر كاملة.

فأن تستيقظ صباحاً على وقع فاتورة الكهرباء التي تبتسم لك بوقاحة، ثم تتابع نشرة الأسعار التي تتسابق فيها الخضروات واللحوم مع صواريخ الفضاء، وتختم يومك بمشاهدة مسلسل حياتك وهو يتحول إلى دراما سوداء رديئة الإنتاج.. فهذا بحد ذاته “تدخين إجباري” بلا فلتر! حين تكون محترقاً بفعل الإيجار، وفواتير العلاج، وضغط الدم الذي يرقص على موسيقى الهيب هوب، تصبح فكرة الخوف على “رئتيك” نوعاً من أنواع الكوميديا السوداء. إنها تشبه تماماً شخصاً بيته مٌحترق عن آخره، ويقف أمام المرآة بخوف شديد ليطمئن هل شعره مجعد أم لا!

الفصل الثاني: السيجارة.. الصديق الوحيد الذي لا يطالبك بـ “الرقم الضريبي”

في هذا العالم المنافق الذي يفرض عليك الضرائب حتى على أنفاسك، تظل السيجارة (أو الشيشة، لمن يفضلون الطريقة التقليدية في التبخير) هي الكائن الوحيد الصادق معك.

  • لا تسألك عن سبب حزنك.
  • لا تطالبك بتسديد القسط الشهري.
  • لا تقول لك: “يا بني، استعن على قضاء حوائجكم بالكتمان والتفاؤل”. هي فقط تشتعل بهدوء، وتشاركك الاحتراق بصمت تام، وتمنحك دقيقتين من التأمل في عبثية الوجود، قبل أن تتحول هي الأخرى إلى رماد.. تماماً مثل كل أحلامك التي تحولت إلى دخان أبيض منذ عام 2011!

الفصل الثالث: روشتة الصحة التي لا تخصنا

حين يخبرك أحدهم بنبرة متعالية: “يجب أن تمارس الرياضة وتتناول الأكل الصحي لتعيش مئة عام”، ينتابك شعور عارم بالرغبة في صفع السقف. مئة عام من ماذا بالضبط؟ مئة عام أخرى من طوابير الخبز؟ مئة عام إضافية من البحث عن وظيفة لا تتطلب خبراً مدتها خمسين سنة وأنت في العشرين من عمرك؟

يا سادة، نحن لا نخشى الموت، نحن نخشى الاستمرار في هذه الحياة الباهظة التكاليف بلا بطاقة تهكم صالحة للاستعمال. التدخين بالنسبة لنا ليس عادة سيئة، بل هو “بروتوكول تعزية ذاتي” نمارسه بانتظام لنؤكد أننا ما زلنا قادرين على إنتاج الدخان، حتى لو عجزنا عن إنتاج أي شيء آخر.

لذا، أرجوكم، اتركوا لنا سجائرنا، ووفروا علينا نصائحكم الطبية التي تذكرنا دائماً بما نجهله. نحن لسنا بحاجة لإطالة أعمارنا لنرى مزيداً من الكوارث، بل نحن بحاجة إلى القليل من السلام النفسي، أو على الأقل.. إلى مَن يشعل لنا السيجارة التالية دون أن يلقي علينا محاضرة عن أضرار القطران.

فصاحب المزاج المحترق لا يرهبه دخان السجائر.. ودمتم سالمين، أو محترقين باختياركم!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك