كشف عذرية سياسية.. بالتقسيط وبدون جراحة!

هناء حلمي

تعالوا نتحلق اليوم حول طاولة العمليات السياسية، لنناقش أغرب وأفدع “فحص دوري” يمر به المواطن العربي والمسؤول الحكومي والمعارض الشرس على حد سواء: كشف العذرية السياسية!

نعم، يا أصدقائي، في زمن أصبحت فيه المبادئ تُباع في المزادات العلنية، والمواقف تتغير أسرع من اتجاه الريح في حقل خضروات، أصبحنا بحاجة ملحة إلى مختبرات طبية نفسية وأخلاقية، تُجري لكل وافد جديد على الساحة العامة، أو لكل سياسي يخرج علينا من الشاشة بلحيته العريضة أو بدلته الأنيقة، اختباراً صارماً وموجعاً بعنوان: هل ما زلت محتفظاً بعذريتك السياسية، أم أنك “عُثت فساداً” في أروقة الصفقات والتنازلات؟

مختبر النزاهة المؤقت: كيف يبدو الفحص؟

لو افترضنا أننا سنفتح مستشفى تخصصياً لـ “إصلاح الذمم السياسية وتطهير الضمائر”، فما هي الفحوصات التي سنخضع لها السادة المسؤولين والباحثين عن الكراسي؟ إليكم قائمة التحاليل المخبرية المطلوبة:

  1. تحليل التنازلات (CBC – Complete Bargain Count): نفحص عينة من دم السياسي لنرى كم مرة باع قناعاته مقابل منصب، أو كم تنازل صغير قدّمه للجهات العليا ليحافظ على كرسيه الوثير. النتيجة الطبيعية للمواطن العادي هي “الصفر”، بينما النتيجة عند أصحاب المعالي غالباً ما تسجل أرقاماً فلكية تتجاوز الـ 20 مساومة يومية!
  2. فحص الأشعة المقطعية للعمود الفقري: هذا الجهاز مصمم خصيصاً ليكشف إن كان السياسي يمتلك فقرات حقيقية تقف بصلابة أمام القرارات الجائرة، أم أن عموده الفقري تحول بفعل الترويض والإنحناء المستمر إلى قطعة “جيلي” مرنة تتمايل بسلاسة مع أي وزير جديد أو نظام قادم!
  3. مزرعة الذاكرة والوعي: فحص بسيط للتأكد ممّا إذا كان السياسي يتذكر ما كان يقوله قبل خمس سنوات وهو في صف المعارضة، أم أن الذاكرة قد تم مسحها تماماً بمجرد دخوله من الباب الخلفي للوزارة وتوقيع عقود الامتيازات.

لماذا لا يوجد عذراء في السياسة؟

الحقيقة المرة التي نعرفها جميعاً ولا يجرؤ أحد على قولها في دول الشرق الأوسط بصوت مرتفع، هي أن “السياسة بحد ذاتها بئر ملوث”، ومن يدخله طاهراً ونقياً، يخرج منه وقد تلطخت روحه وثيابه بشتى أنواع البقع الصعبة التي لا تزيلها أقوى مساحيق الغسيل في السوق!

السياسي الذي يدخل الحلبة وهو يرفع شعارات الطهارة، والشرف، والدفاع عن المستضعفين، لا يلبث أن يمر بأول امتحان حقيقي (فاتورة، ميزانية، ضغط من جهة نافذة)، حتى يسقط الغطاء وتنكشف العورة السياسية للجميع. تراه يبرر، ويلتف، ويقنع نفسه بأن “الضرورات تبيح المحظورات”، وأن الحفاظ على مصلحته الشخصية هو نوع من أنواع “الذكاء الاستراتيجي”.

إنه يشبه تماماً ذلك الشخص الذي يدخل بيتاً مش شبوهات وهو يحلف ألف يمين أنه لن ينظر يمين أو يسار، ليجد نفسه بعد ساعة واحدة يرقص على طبلة الحفل بكل حماس!

لذا يا سادة، ارفعوا أيديكم عن طلب “كشف العذرية السياسية”، ولا ترهقوا عقولكم في البحث عن السياسي الطاهر النقي الذي لا تأخذُه في الحق لومة لائم. ففي هذا العصر، العذرية السياسية كالغراب الأبيض.. نادرة لدرجة الاستحالة.

اقبلوا الواقع كما هو: لا تصدقوا الوعود البراقة، ولا تركنوا إلى الخطب الحماسية، وضعوا دائماً في الاعتبار أن كل من يرتدي بدلة رسمية ويجلس خلف طاولة القرار.. قد مرّ على “مختبر المساومات” عشرات المرات وخرج بملفات مخزية!

تصبحون على براءة عقول، وسلامة تامة من أوهام السياسيين!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك