هل حقاً تم تمثيل فيلم “دورية نحو الشرق” أم أنه مشاهد حقيقية؟

كريمة حسناوة

منذ أن أخرج الفنان الراحل عمار العسكري فيلمه الخالد “دورية نحو الشرق” عام 1971، وظل هذا العمل التأسيسي في السينما الجزائرية يثير حالة نادرة من الذهول والانبهار لدى كل من يشاهده؛ حتى بات يتكرر في الأوساط الثقافية والشعبية سؤال ملحٌّ يتجاوز حدود الفرجة العادية: هل ما نراه على الشاشة هو مجرد تمثيل سينمائي وإخراج درامي، أم أننا أمام وثيقة حية ومشاهد واقعية تم تسجيلها بالفعل أثناء الثورة التحريرية؟

تفكيك العبقرية السيكولوجية والفنية لهذا الفيلم كفيل بإماطة اللثام عن السر الذي جعل الحدود تتلاشى بين الواقع والتمثيل في ذهن المشاهد الجزائري:

1. الواقعية الخام وغياب التكلف الأكاديمي

السر الأول الذي يوهم المشاهد بأن الفيلم “مشاهد حقيقية” هو اعتماد المخرج عمار العسكري على مدرسة “الواقعية الخام”. لم يكن الفيلم يبحث عن الصورة الجمالية النظيفة أو الإضاءة المصطنعة التي تميز أفلام الاستوديوهات؛ بل نزلت الكاميرا إلى عمق الجبال والأوراس والوديان الصعبة، وتحركت بين الأحجار والغبار والماء تماماً كما كان يتحرك مجاهدو جيش التحرير الوطني.

هذه البيئة الطبيعية القاسية، مصحوبةً بوجوه الممثلين الناشفة والتعب الفعلي الذي يظهر على ملامحهم وأجسامهم أثناء قطع المسافات، يلغي حاسيات التكلف السينمائي ويمنح المتلقي إحساساً سيكولوجياً بأنه يتابع شريطاً وثائقياً صُوِّر بأرض المعركة مباشرة.

2. ممثلون يعيشون الذاكرة لا يؤدون أدواراً

إن طاقم الممثلين في الفيلم (من أمثال حسان الحسني، إبراهيم حجاج، ونور الدين المازوني وغيرهم) لم يكونوا يمارسون “التمثيل” بالمعنى النمطي الحرفي؛ بل كان غالبيهم ممن عاشوا ويلاتها وقساوتها في الواقع أو اكتووا بنار الاستعمار عن قرب.

على المستوى النفسي، عندما يقف الممثل أمام الكاميرا مستحضراً تجربة وجودية عاشها مجتمعه قبل سنوات قليلة فقط، فإن الأداء يتحول من “تقمص شخصية” إلى “استدعاء ذاكرة”. نبرة الصوت المبحوحة، التردد، نظرات الخوف المقترن بالشجاعة، والتنهدات العميقة؛ كلها تعبيرات صدق سيكولوجي صادم لا يمكن لمدارس التمثيل الأكاديمية أن تصنعه أو تفرضه.

3. الصدق التكتيكي وغياب الهالة الخارقة

على عكس سينما “البطل الخارق” التي تشوه الحقائق، قدم الفيلم الدورية بصفتها شريحة إنسانية واقعية جداً. المجاهدون في الفيلم ليسوا أبطالاً لا يقهرون؛ هم يجوعون، يمرضون، يختلفون في الرأي، يتعبون، ويسقطون شهداء واحداً تلو الآخر في مواجهات نارية قاسية.

هذا التجسيد التكتيكي الصادق—بما فيه من صعوبة نقل أجهزة الاتصال الثقيلة في تضاريس جبلية وعرة وتكتيكات الاختباء والتمويه—جعل الفيلم مطابقاً تماماً للشهاد الحية للثوار، مما رسخ في لاوعي المشاهد أن هذا السيناريو لا يمكن أن يكون مجرد تخيل كتابي، بل هو واقع صُرِف حرفياً كما حدث.

4. عبقرية الصوت والمشهد الآخير الخالد

لعب الشريط الصوتي والمؤثرات دوراً مفصلياً في بناء هذه الإيهام الواقعي؛ فصوت إطلاق النار، دوي الطائرات الاستعمارية، وحتى صمت الجبال المخيف، صُمم بطريقة تبث في نفس المشاهد القلق والاستنفار النفسي كأنه متواجد داخل الدورية. ثم تأتي اللقطة الأيقونية الأسطورية لنهاية الفيلم (صراخ الممثل صواريخ الصامدة واستغاثته المدوية بين الجبال) لتصنع ذروة انفعالية تلغي أي شك في أن هذه هي روح الجزائر الحقيقية.

الحقيقة والأسطورة: في المحصلة التاريخية، فإن فيلم “دورية نحو الشرق” هو فيلم سينمائي روائي بامتياز، تم تصويره وتمثيله بعد الاستقلال.

لكن العبقرية الكامنة فيه تكمن في أن المخرج والفرقة الفنية لم يمثلوا القصص.. بل أعادوا تجسيد الأرواح. لقد نقلوا الشحنة العاطفية والتاريخية بصدق مطلق جعل الفيلم يتحول من مجرد شريط سينمائي إلى وثيقة إنسانية ووطنية خالصة، ترفض الذاكرة الجزائرية حتى اليوم تصنيفها مجرد “تمثيل”.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك