من هو مؤسس المخابرات الجزائرية
أساتذة الظل وصناع السيادة.. حين هندس بوصوف ومرباح ومسعود زغار أركان استخبارات الجزائر
الكاتب لكوص توفيق
حين يُكتب تاريخ الدول، غالباً ما تطفو على السطح أسماء القادة السياسيين وصناع القرار العلنيين، بينما تظل الحكايات الأكثر إثارة وخطورة مدفونة في دهاليز “الأجهزة العميقة” التي تصنع حماية الأوطان بصمت مطلق. وفي الجزائر، حيث تداخلت جغرافية الثورة التحريرية مع تعقيدات الجيوسياسة الإقليمية والدولية، لم يكن جهاز الاستخبارات وليد صدفة، بل ثمرة تخطيط محكم وتكامل عبقري بين مثلث ذهبي صنع نواة الدولة في أشد الظروف قساوة.
فكيف نشأت مخابرات الجزائر؟ ومن هم الأقطاب الثلاثة الذين وضعوا مداميكها الأولى: عبد الحفيظ بوصوف، قاصدي مرباح، ومسعود زغار؟
أولاً: سي مبروك (عبد الحفيظ بوصوف).. الأب الروحي ومهندس العقول
الحديث عن تأسيس الاستخبارات الجزائرية يعود حتماً إلى رمز أسطوري طبع تاريخ الثورة بمهابة بالغة؛ إنه المجاهد الكبير عبد الحفيظ بوصوف، المعروف حركياً باسم “سي مبروك”.
في ذروة الكفاح المسلح ضد الاحتلال الفرنسي، أدرك بوصوف أن العمل العسكري الميداني وحده لا يكفي إن لم يدعمه جهاز أمني واستخباراتي دقيق يفكك شبكات العدو، ويؤمن الاتصالات، ويراقب تحركات الخصم. من هنا، أخذ على عاتقه مهمة تأسيس وإدارة “وزارة التسليح والاتصالات العامة” (MALG) سنة 1958، والتي تعتبر بحق “الأم الشرعية” لجهاز الاستخبارات والأمن الجزائري.
لم يكن “سي مبروك” مجرد رجل أمن، بل كان قائدًا استثنائيًا يملك فراسة نادرة في اختيار الرجال وتدريبهم على السرية والانضباط الحديدي. لقد أسس مدرسة في العمل الاستخباري قامت على الكفاءة والولاء المطلق للوطن، وهي المدرسة التي تخرج منها عمالقة أمنيون قادوا سفينة الدولة لاحقاً.
ثانياً: قاصدي مرباح.. العقل التقني والمخطط الإستراتيجي
إذا كان بوصوف هو الأب الروحي وصاحب الرؤية، فإن قاصدي مرباح (الذي شغل أسماء حركية عديدة من أبرزها “الشيخ عبد الله”) كان بمثابة العقل المنظم والمخطط التقني والاستراتيجي لوزارة (MALG).
لقد لعب قاصدي مرباح دوراً محورياً في هيكلة وتنظيم مصالح الاستخبارات، وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية المعقدة التي كانت شريان الحياة بين قيادة الثورة في الداخل والخارج. بفضل ذكائه الحاد ورؤيته التنظيمية المتقدمة، استطاع مرباح أن يرسخ القواعد المهنية والتقنية الأولى للجهاز، ليتحول بعد الاستقلال إلى أحد أهم مهندسي إرساء دعائم الأمن القومي للدولة الجزائرية الحديثة، واضعاً أسس يقظتها الاستراتيجية.
ثالثاً: مسعود زغار (رشيد كازا).. الدبلوماسية السرية وشبكة الإسناد العابر للحدود
لا يمكن الحديث عن الثلاثي المؤسس دون الوقوف عند العبقرية الاستثنائية للشهيد والوطني البارز مسعود زغار، المعروف حركياً بـ “رشيد كازا”.
إذا كان بوصوف ومرباح يمثلان العقل الأمني والتنظيمي، فإن مسعود زغار كان “وزير الظل” المالي والدبلوماسي؛ الرجل الذي جاب عواصم العالم، واستطاع بذكائه الخارق وعبقريته الاقتصادية نسج شبكة علاقات دولية معقدة لتمويل الثورة، واقتناء السلاح، واختراق الحصار المفروض على جبهة التحرير الوطني. لقد كان زغار صلة الوصل الحيوية بين الاستخبارات الجزائرية وواجهات العمل الدولي، مدعوماً بثقة مطلقة من “سي مبروك”، مما جعل منه أسطورة حقيقية في فن الاستخبارات الاقتصادية واللوجستية.
ختاماً
مخابرات الجزائر لم تكن مجرد مؤسسة أمنية تقليدية، بل هي ثمرة تكامل تاريخي فريد بين عبقرية عبد الحفيظ بوصوف، ودقة وهندسة قاصدي مرباح، ودهاء ودبلوماسية مسعود زغار. هذا المثلث الذهبي لم يصنع جهازاً أمنياً فحسب، بل حفر في صخر التاريخ دعائم سيادة أمة واجهت المستحيل وانتصرت.



إرسال التعليق