مقياس الزلازل السياسية

عز الدين عباس

يقف العقل السياسي، المحكوم بغرائز البقاء والمنفعة الذاتية، حائراً أمام الاختيار بين أن يكون مفعولاً به أو فاعلاً له. ففي الأعراف السياسية والاجتماعية القديمة والحديثة، يُنظر إلى القوة والقدرة على الغلبة كعلامات على النجاح، بينما يُعتبر الخضوع دليلاً على الضعف والمهانة. وتقدم الفلسفة السياسية جواباً مغايراً لهذا التصور، إذ تقرر قاعدة أخلاقية مفادها: “إن ارتكاب الجور أسوأ من التعرض له، ومن المستحيل أن يكون الإنسان سعيداً إذا كان يعيش في الشر والظلم”.

في السياق السياسي المعاصر، لا تقتصر الزلازل على تحركات الصفائح التكتونية في باطن الأرض، بل تمتد لتشمل الهزات الكبرى التي تضرب الأنظمة والدول وتطيح بالاستقرار. وكما تسبق الزلازل الطبيعية إشارات إنذار مبكر، فإن الانهيارات السياسية الكبرى لا تحدث فجأة، بل تسبقها مؤشرات واضحة تعكس تفكك شرعية الحكم واختلال التوازن المجتمعي.

وفي هذا السياق، يمكن إجمال أبرز العلامات التحذيرية التي تسبق الهزات السياسية الكبرى في 4 مؤشرات رئيسية:

1. النشاط السياسي التمهيدي (الاحتجاجات النذرية والاحتقان المتصاعد)

تسبق الانفجارات السياسية الكبرى في كثير من الأحيان حركات احتجاجية خفيفة ومتكررة، ورفض شعبي متقطع يُعرف مجازياً بـ “الزلزال السياسي التمهيدي”. هذه الفعاليات أو الاعتراضات البسيطة غالباً ما يستهين بها أصحاب القرار أو يُقابلون تجاهلها بالتعالي. لكنها بالنسبة للمحللين السياسيين وأجهزة الرصد تعتبر إشارة واضحة على تصاعد الضغط الاجتماعي والاستبداد، وتكسر جدار الصمت التدريجي استعداداً لانفجار واسع النطاق يغير وجه الخريطة السياسية.

2. التغيرات غير الطبيعية في سلوك الرأي العام والكتلة الصامتة

منذ أقدم العصور، ارتبطت التحولات الكبرى بانقلاب المزاج الشعبي العام. تشير الدراسات السياسية إلى أن الكتلة الصامتة والمواطنين العاديين يمتلكون حساسية فائقة لالتقاط الاستبداد والفساد والتدهور المعيشي قبل أن تتحول إلى أزمات سافرة. وعندما يصل الضغط السياسي إلى مستويات حرجة، يحدث تحول مفاجئ في سلوك الشارع، من حالة الخوف والقعود إلى حالة التمرد والرفض الجذعي للوضع القائم، تماماً كما تفر الحيوانات قبل وقوع الزلازل.

3. اضطرابات المؤسسات وهشاشة “المجال السياسي”

يُعد رصد التغيرات الشاذة في توازن السلطات وتآكل الشرعية المؤسساتية من أبرز المؤشرات السياسية المتقدمة. يؤدي الصراع على النفوذ والاحتكاك المستمر بين مراكز القوة ومصالح الأوليغارشية إلى توليد توترات واختلالات بنيوية تتسرب نحو السطح عبر أزمات دستورية ومؤسساتية متلاحقة. وغالباً ما ينتج عن هذا الاحتكاك ظهور “أضواء” تحذيرية تتمثل في فضائح كبرى، وصراعات علنية على النفوذ تكشف هشاشة الدولة من الداخل.

4. التغيرات المفاجئة في مستويات الثقة والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية

تتأثر الطبقات الاجتماعية الهشة والوسطى بشكل مباشر بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة والجور السياسي. وقبل وقوع الهزات السياسية الكبرى، يلاحظ المراقبون تقلبات حادة في مستويات الثقة العامة، وانكماشاً غير مبرر في الشرعية، وتدهوراً حاداً في المؤشرات المعيشية وتوزيع الثروة، وهو ما يشكل إنذاراً مبكراً باختلال التوازن الاجتماعي وانهيار العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم.

إن فهم هذه المؤشرات السياسية والتعامل معها بروح الإصلاح والعدل يظل السلاح الأبرز لتقليل حجم المخاطر والكوارث الوطنية. فحين يختار النظام السياسي أن يكون عادلاً ومستجيباً لإرادة شعبه، فإنه يحفظ استقرار الدولة ويقيها شرور الهزات المدمرة، لأن ارتكاب الجور هو الهزيمة السياسية الحقيقية التي لا نجاة من عواقبها التاريخية والأخلاقية، وتلك هي الحكمة الأعمق التي تحمي الأمم من السقوط في شريعة الفوضى.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك