لو تحكم الإنسان في شهوته، لتغير وجه التاريخ

عباس عز الدين

نحن نعيش في عالم تُبنى خزائن الدول على حافة رغبة، وتُدار حروب الكوكب بأسره إرضاءً لغرائز كامنة تحت قمصان من حرير وواجهات من شعارات براقة. يعتقد المؤرخون والاقتصاديون أن الحروب تقام لأجل النفط، والأراضي، والذهب، والأسواق المفتوحة. لكن الحقيقة الأعمق والأكثر إزعاجاً التي يتجنبها الجميع هي أن عجلة التاريخ البشري، بكل مآسيها وأمجادها، تدور في الأساس بدفع من محرك خفي لا يهدأ: الشهوة الجنسية.

ولو فرضنا جدلاً أن المعجزة تحققت، وأن الرجل (بوصفه الضلع الأطول تاريخياً في إدارة معادلة السلطة والمال والحروب) تمكن يوماً من التحكم المطلق في شهوته الجنسية، فلن يكون ذلك مجرد انتصار شخصي على النفس؛ بل ستنقلب البنية النفسية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، والتاريخية للعالم رأساً على عقب.

أولاً: البنية النفسية.. سقوط العقد الكبرى واندثار نصف صناعة الفن

تخيلوا كائناً بشرياً حراً تماماً من إملاءات الغريزة وسطوة الشبق؛ ماذا سيتبقى من عمارة النفس البشرية الحالية؟

  • انهيار معمل العقد النفسية: إن تسعين بالمائة من أمراضنا العصبية، ومخاوفنا الوجودية، وهوسنا بالظهور، والمظاهر الخادعة، ومشاعر النقص، ترتبط ارتباطاً وثيقاً برغبة الإغواء وإثبات الذات أمام الآخر. حين يسقط هذا المحرك، ستفرغ عيادات الأطباء النفسيين من نصف زبائنها، وتتلاشى الهستيريا الجماعية التي تغذيها مشاعر الحرمان.
  • إفلاس إمبراطوريات الترفيه والجمال: لو انطفأ سحر الشهوة، لغُلقت دور السينما التي تباع فيها التذاكر لأجل قوام ممثلة أو نظرة إغراء، ولاعتزلت نصف دور الهوت كوتور ومستحضرات التجميل. سيتحول الإنسان من كائن يبحث طوال يومه عن “شكل مرغوب” إلى كائن يبحث عن المعنى الخالص والوجود العقلاني الهادئ.

ثانياً: البنية الاقتصادية.. من اقتصاد الاستهلاك العاطفي إلى كفاية الحاجات الحقيقية

هل تساءلتم يوماً لماذا يُصر النظام الرأسمالي العالمي على استخدام الجسد والإغواء في كل إعلان تجاري، بدءاً من سيارات الدفع الرباعي وصولاً إلى علبة الشوكولاتة؟

  • إعلانات الإغواء تفقد مفعولها: الرأسمالية تدرك تماماً أن الإنسان المأزوم بغريزته هو مستهلك شره ومطيع؛ فهو يشتري ما لا يحتاج لكي يثير إعجاب من لا يحب. لو تحكم الرجل في شهوته، لسقطت آلة الإعلان الكبرى التي تربط السلع بالجاذبية الجسدية.
  • تراجع طوفان الاستهلاك: ستنخفض معدلات استهلاك السلع الترفيهية المرتبطة بالمظهر الخارجي بنسب مرعبة، وستتحول الموارد الهائلة التي تُهدر في صناعة الوهم الجسدي نحو تلبية الاحتياجات الأساسية الحقيقية للبشر: الغذاء، السكن، الصحة، والتعليم. ستنكمش أسواق بأكملها لأنها لم تعد تبيع منتجات، بل كانت تبيع “وعوداً بالوصول العاطفي”.

ثالثاً: البنية السياسية والتاريخية.. نهاية الحروب العظمى وتغير شكل السلطة

في ملاحم التاريخ القديم والحديث، كم من مدينة أُحرقت، وكم من إمبراطورية سقطت، وكم من عرش اهتز بسبب امرأة أو غريزة نزفت في غير محلها؟

  • تاريخ بلا غزو ولا صراع أهوج: منذ هيلين التي أحرقت طروادة، وصولاً إلى صراعات القصور والديوان عبر التاريخ، كانت الشهوة وسطوة النفوذ وجهين لعملة واحدة. الساسة والقادة عبر التاريخ غالباً ما استثمروا فائض طاقاتهم ومقدرات شعوبهم لبناء مجد شخصي يستعرضون به سطوتهم وجاذبيتهم. لو تحرر القادة من هذا السحر الغريزي، لفقدت الكثير من الحروب أسبابها الخفية، وانهارت الدوافع العرقية والنرجسية التي تقود الجيوش للدمار.
  • سقوط منطق الهيمنة: إن الرغبة في الامتلاك المطلق –سواء امتلاك الأشخاص أو الأراضي– تغذيها نفس البنية النفسية التي تغذيها الغريزة التوسعية. حين يتحكم الإنسان في شهوته، يزول مرض “التأله البشري” والرغبة في إخضاع الآخرين، لتنحو السياسية نحو إدارة العقل الجمعي لا ترويض الغرائز.

رابعاً: البنية الثقافية.. من ثقافة “الجسد المستهلك” إلى ثقافة الفكر الخالص

  • طوال عقود طويلة، كانت الثقافة السائدة تدور حول استنطاق الجسد وتحريره وتحويله إلى موضوع مركزي للفن والأدب والفلسفة.
  • لو تحكم الرجل في شهوته، لخرجت الثقافة البشرية من سجن “البيولوجيا” إلى رحاب “الأنطولوجيا” (علم الوجود الفكري). لن تعود الأدبيات تحكي لوعة الفراق الجسدي وعبودية الهوى، بل ستتفرغ لطرح الأسئلة الكبرى حول مصير الكون، وعدالة الوجود، ومعنى الفناء والخلود. ستصبح الثقافة أكثر نقاءً، وأعمق جذوراً، وأقل ارتهاناً للنزوات الآنية.

إن التحكم في الشهوة ليس مجرد فضيلة أخلاقية كلاسيكية كما يصورها الوعاظ في الزوايا المغلقة، بل هو ثورة أنثروبولوجية كبرى لو حدثت، لتوقفت عجلة التاريخ عن الدوران بالآلية الدموية التي نعرفها اليوم. لكن، طالما أن الإنسان يظل رهينة لتركيبته البيولوجية المندفعة، ستظل عجلات التاريخ تصطرك، وستظل الأسواق تبيع الوهم، وستظل السياسة تبنى على رمال الغرائز المتحركة. وحدها المعجزة الكبرى وحدها هي التي تستطيع أن تفعل ذلك.. فهل نحن قادرون على تخيل عالم بلا رغبة مشتعلة؟ ربما سيكون عالماً أكثر سلاماً، ولكن حتماً.. أكثر برودة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك