حل لغز الربيع العربي

أنوار عبد العظيم

طال الصمت وانكشف الغطاء، وبات لزاماً على العقل أن يعيد قراءة المشهد من جذوره بعيداً عن عاطفة اللحظة الأولى وسحر الشعارات البراقة. فحين نبتعد عن ضجيج الشعارات ونقف على حافة النتائج الكارثية التي ضربت جسد الأمة، نكتشف أن ما جرى لم يكن قدراً محتوماً، بقدر ما كان نتيجة حتمية لتفاعل معقد بين مظالم داخلية مشروعة، وأجندات خارجية متعطشة للخراب.

تراكمت الأسباب على مدار عقود طويلة حتى باتت بيئة خصبة لكل احتمالات الانفجار. لم يكن الغضب الشعبي الذي اجتاح الشوارع والميادين مفرطاً من فراغ، بل كان صرخة يائسة في وجه انسداد السياسة، وتراجع التعليم، وتمركز الثروات في أيدي فئات ضيقة بينما كانت الغالبية تعاني تحت خط التهميش. غير أن المأساة الحقيقية لم تكمن في جوهر الاحتجاجات، بل في الاختطاف المنهجي لتلك الطاقات؛ حيث تحولت المطالب المعيشية والإصلاحية بين عشية وضحاها إلى مطايا لتنظيمات أيديولوجية وجهات خارجية وجدت في الفوضى فرصة ذهبية لإعادة ترسيم خارطة المنطقة على أشلاء الدول الوطنية.

إن تتبع خيوط تلك المرحلة يكشف بوضوح كيف تم توظيف النوايا الطيبة للشباب المغرر بهم لخدمة مشاريع تهدم ولا تبني. وحين دخلت أجهزة الاستخبارات العابرة للحدود، وأذرع البروباغندا الموجهة، والفضائيات التي احترفت فبركة الحقائق، تحولت الساحات من مطالبات بالكرامة إلى مسارح للحروب الأهلية والتقسيم الطائفي والعرقي. لقد سقطت الدول لا لشيء إلا لأن البعض صدق أن هدم البيت على من فيه أهون من بقائه محكوماً بعيوبه، متناسين أن إعادة بناء الأوطان الممزقة تكلف دماءً وأجيالاً لا يمكن تعويضها.

الدرس المستفاد اليوم من أتون تلك السنوات المريرة يفرض على الشعوب والنخب وعياً جديداً يرفض الاستغفار للخراب أو الركض خلف أوهام التغيير الفوضوي. الأوطان لا تُحفظ بالشعارات الحماسية المأفونة، ولا تُبنى بالاستبداد ولا بالفوضى، بل تُشيد بالعدل، وتكافؤ الفرص، وحماية الجيوش الوطنية، والوعي اليقظ الذي يدرك مبكراً أن الحفاظ على استقرار الدولة هو خط الدفاع الأول عن بقاء الإنسان وكرامته.

إرسال التعليق