مذكرات ضابط شرطة في الريف… أوراقُ الابتزاز الأخيرة

جميل مرتضى

الحلقة السابعة: أوراقُ الابتزاز الأخيرة

مع انقشاع العاصفة الثلجية وتسلل أشعة الشمس الأولى لتديب الجليد عن أسطح “عين التوت”، لم تكن أحشاء الجبل قد هدأت بعد. كان صندوق الوثائق السرية الذي تحرّزتُ عليه في خزنة المخفر بمثابة قنبلة موقوتة؛ فالأسماء المسجلة فيه لم تكن لمجرد مهربين صغار، بل لشخصيات نافذة تنتمي لأروقة السلطة في طرابلس وبيروت، ممن بنوا ثرواتهم وجاههم على حساب دماء الناس وأمن القرى.

في الصباح الباكر، وقبل أن أرسل البرقية الرسمية لقيادة السرايا لإيفاد سيارة مصفحة لنقل الجندي الفار “جورج” مع الصندوق، فوجئتُ بسيارة سوداء فارهة من طراز “بويك” تتحدى بقايا الثلج وتتوقف أمام باب المخفر.

نزل منها رجلٌ يرتدي طربوشاً أدبياً وأناقةً متكلفة، يحمل عصا بآبنس سوداء، خلفه مرافقتان مدججان بالأسلحة المخبأة تحت المعاطف. عرفتُه فوراً؛ إنه “السيد سليم”، أحد كبار الموظفين الإداريين في القائمقامية، والرجل الذي طالما ارتبط اسمه بنفوذ الانتداب في الشمال.

دخل المخفر بثقةٍ تتجاوز حدوده القضائية، ونظر إلى بؤسي المكتبي وسقفي ينز منه ماء الثلج بنظرة استخفاف، ثم جلس دون استئذان وقال بنبرة هادئة تتصنع الود: — “مرحباً بك يا حضرة الملازم توفيق.. أداءٌ ممتاز في حفظ الأمن، وقيادتك أبدت إعجابها بنشاطك في ضبط الشاحنة والجندي الفار. لكن المعارك الكبيرة لها رجالها، وهذه الأوراق التي بحوزتك تتصل بأمن الدولة العليا وليست من اختصاص مخفر ريفي كعين التوت.”

أخرج من جيب سطرته مظروفاً أصفر سميكاً ووضعه على الطاولة أمامي، وأردف مستطرداً: — “هذا قرارُ نقلك وترقيتك الفورية إلى رتبة نقيب في العاصمة بیروت، مع مكافأة مالية تجعلك تؤمن مستقبلك ومستقبل عائلتك.. مقابل أن تسلمني ذلك الصندوق الخشبي وأوراق الجندي، وتكتفي بكتابة محضر عادي يتحدث عن إلقاء القبض على متسلل أجنبي بسيط.”

نظرتُ إلى المظروف الأصفر، ثم نقلتُ بصري إلى عينيه الباردتين اللتين تتستران خلف نظارة طبية ذات إطار ذهبي. كان المعروض أمامي هو الثمن التقليدي الذي يُدفَع لدفن الحقائق: ترقية مريحة وحياة رغيدة في العاصمة، مقابل أن أكون حلقة أخرى في سلسلة الفساد التي تخنق هذا الوطن.

سحبتُ دفتري المفتوح، ووضعتُ القلم بين صفحاته، وقلتُ بنبرة جافة لا تحتمل المساومة: — “يا سيد سليم.. لو كنتُ أبحث عن الترقية والمال لقبلتُ بمهادنة ‘أبي رشيد’ منذ الأسبوع الأول، ولم أكن لأصمد في هذا المخفر البارد. الأوراق التي في الخزنة لا تخص أمن الدولة العليا كما تتدعي، بل تخص دماء الشيخ عبد القادر، وضحايا سموم أعدال الطحين، وأرواح الشباب التي أُزهقت في الوديان لحساب حساباتكم البنكية!”

تلاشت الابتسامة المزيّفة عن وجهه، وحلّت محلها قسوة ممتزجة بالتهديد الصريح: — “أنصحك ألا تتذاكى يا ملازم.. كلمة واحدة مني للوالي أو للمفتش الفرنسي كفيلة بطردك من السلك نهائياً ومسح اسمك من السجلات، بل وجعلك مجرد جثة تُعثر عليها الشِعاف كما حدث لخليل من قبل!”

استدار مرافقاه وضغطا على زناد أسلحتهما تحت المعاطف. غير أن الصوت الذي أوقف خطتهما لم يكن صدمة تحذيري، بل كان صدمة المختار “أبو أسعد” وشباب الضيعة الذين احتشدوا فجأة في ساحة المخفر، يحملون البنادق وأدوات الفلاحة!

كان الدركي “حليم” قد أدرك كنه الزيارة منذ لحظة وصول السيارة الفارهة، فاستدعى أهالي القرية الذين لم يعودوا يقبلون أن يُساق مقدرات ضيعتهم بالريموت كنترول من الخارج.

وقف المختار على باب المخفر، وقال بصوتٍ هدرت به سنوات العمر: — “يا سيد سليم.. الضابط توفيق هنا يحمي قانون بلدنا ودماء شهدائنا. إن أردت أخذ الصندوق بالقوة، فستحتاج لتجاوزجثث أبناء ‘عين التوت’ جميعاً!”

ارتبك الموظف الكهفي ومرافقاه أمام هذا التضامن الشعبي الصلب، وأدرك أن معادلته القائمة على الترهيب والرشوة قد سقطت أمام صحوة هذه الجبال.

سحب يده عن المظروف، وارتد إلى الخروج وهو يقول بحنق: “ستندم يا توفيق.. ستدفع ثمن هذا الحماق غالياً!”

أجبته وأنا أغلق الخزنة بيدي بثبات: “قد أفقِدُ رتبتي يا سيد سليم.. لكنني لن أفقد كرامتي ولا شرف هذه البزة عسكرية.”

مع ساعات الظهيرة، وصلت الفرقة السيارة المصفحة من طرابلس تحت إشراف قضاة شرعيين شرفاء، واستُلمت الصناديق والمستندات رسميًا لتتحول إلى ملف محاكمة هزّت أركان الطبقة السياسية الفاسدة في أواخر أيام الانتداب.

جلس المختار معي في المساء ليرتشف القهوة المرة، وقال وهو ينظر إلى الخريطة المعلقة: — “اليوم يا ابني، شعرتُ لأول مرة أن هذه الجبال أصبحت جزءاً من وطن حقيقي، لا مجرد إقطاعيات لمن يدفع أكثر.”

رفعتُ القلم، وكتبتُ في دفتري السطر الأخير من هذه الحلقة: “العدالة ليست مجرد نصوص تُكتب في المجلدات، بل هي موقفٌ يختبر شجاعة المرء حين تُعرض عليه الدنيا مقابل بيع ضميره. وما دامت القرى تلتف حول الحق، فلن يصح إلا الصحيح.”

أغلقتُ الدفتر، مستعداً للغد وما يحمله من تقلبات الفجر الجديد…

(تتبع الحلقة الثامنة…)

إرسال التعليق