غلطة الشاطر.. بمليون غلطة !

عبد الرحمن إبراهيمي

تعالوا اليوم نجلس على حافة العقل ونمسك بآلة حاسبة صدئة، لنحسب معاً تكلفة الأخطاء . يقال في الأمثال الشعبية القديمة برهبة واضحة: “غلطة الشاطر بألف”. طبعاً، هذا المثل صُمم خصيصاً لأزمنة قديمة بسيطة، زمن كان فيه الألف قرش له قيمة، وكانت الأخطاء تحدث على نطاق ضيق بين البشر العاديين.

أما اليوم، وفي ظل اقتصادنا الطائر بلا مظلة، فقد تم تعديل المثل ليتناسب مع التضخم المالي والنفسي ليصبح: “غلطة الشاطر بملايين.. وغلطة الغلبان توديه في شربة مية!”.

كتالوج الأخطاء الكبرى في عصر الانكماش

تخيل معي عزيزي المواطن أنك لست شاطراً بالضرورة، بل مجرد مواطن عادي يحاول أن يعبر الشارع دون أن تدهسه سيارة ميكروباص أو قرار وزاري طارئ. في بلادنا، الأخطاء لا تمر بسلام، ولا تُقابل بالاعتذار أو بـ “معليش”، بل تُحسب بالخسائر الفادحة:

  1. غلطة المسؤول (ألف مبروك الخسارة للشعب): عندما يقرر وزير الاقتصاد أو رئيس هيئة ما أن يكون “شاطراً” ويجرب نظرية عبقرية في خفض التضخم أو تعويم العملة، وتفشل فكرته الذكية، فإن “غلطته الشاطرة” تكلف الخزينة العامة مليارات الدولارات! هل يحاسب؟ أبداً! يتم ترقيته فوراً ليعيث فساداً في وزارة أخرى، بينما يدفع المواطن المسكين الفاتورة من لقمة عيشه.
  2. غلطة الموظف البسيط (يا فكيك!): أما إذا كانت غلطة لشخص “غلبان”؛ كأن ينسى موظف الأرشيف ختم ورقة بالغلط، أو يخطئ عامل المحارة في زاوية الجدار، فتقوم القيامة ولا تقعد! يُحال إلى التحقيق، وتُخصم نصف مرّتبه، ويُنظر إليه بعين الشك على أنه “عميل سري لدولة أجنبية” جاء ليهدم أركان الدولة من تحت إبطه!
  3. غلطة المستهلك في السوبرماركت: أن تغلط وتشتري علبة جبنة دون أن تقرأ تاريخ الإنتاج بدقة، فتكتشف في البيت أنك اشتريت قطعة بلاستيك صلبة بتاريخ صالح لعام ألفين وخشبة! تعود للبائع لتستبدلها، فينظر إليك بازدراء كأنك أنت من زور التاريخ، وترجع بخفي حنين وجيب مفرغ.

السر يكمن في قاعدة “توزيع الأخطاء بالاشتراك الإجباري”. في الدول الأخرى، كل شخص يتحمل خطأه؛ الكبير يغلط فيُستقيل، والصغير يغلط فيتعلم. أما عندنا، فالنظام البيئي مصمم ببرمجية مذهلة: “الكبير يخطئ فيصفق له المنتفعون، والصغير يخطئ فيُصلب في ميدان التحرير!”.

الخطأ الوحيد المسموح به قانوناً وأخلاقياً في بلادنا هو خطأ من يملك السلطة والمال، أما نحن معاشر الغلابة، فممنوعون حتى من مجرد التفكير في الخطأ، لأن رصيدنا المالي والنفسي لا يتحمل “خطأً أبوياً” واحداً، فما بالك بملايين الأخطاء التي تسقط على رؤوسنا صباح مساء.

لذا يا سادة، إن أردتم نصيحة مخلصة لتنجوا بجلدكم في هذه الحلبة المفتوحة: لا تكن شاطراً، ولا تحاول أن تبدع أو تفكر بصوت عالٍ. كن كقطعة الأثاث القديمة في الصالون.. لا تكلم أحداً، لا تغلط، ولا تتحرك إلا بإذن مسبق!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك