كل ما قاله الرئيس عبد المجيد تبون في اللقاء الدوري الصحفي

لراس حبيب

الجزائر على عتبة “نقطة اللارجوع” تنموياً.. قراءة تحليلية في أبعاد اللقاء الإعلامي الشامل لرئيس الجمهورية

في مشهد وطني يعكس ثقة مفرطة في مسار الإصلاح ووضوحاً تاماً في الرؤية الإستراتيجية، جاء اللقاء الإعلامي الدوري للسيد رئيس الجمهورية ليضع النقاط على الحروف، مرسماً معالم مرحلة فاصلة تعيشها الجزائر. لم يقتصر اللقاء على سرد إنجازات رقمية فحسب، بل غاص في تفاصيل الاقتصاد، والسياسة، والشؤون الاجتماعية، وصولاً إلى الثوابت الدبلوماسية الكبرى، مؤكداً أن الجزائر باتت تسير بخطى ثابتة نحو بلوغ “نقطة اللارجوع” في مسار التنمية المستدامة مع أفق عام 2027.

اقتصاد صلب.. وتحدي الـ 400 مليار دولار

على الصعيد الاقتصادي، شكّل تأكيد رئيس الجمهورية بأن تقارير صندوق النقد الدولي جاءت متسقة مع الآفاق التي سطرتها الجزائر صفعة للمشككين، ودليلاً دامغاً على أن الاقتصاد الوطني يبنى على أرضية صلبة. فالبلاد تتجه بخطى حثيثة نحو تحقيق ناتج محلي خام يقدر بـ 400 مليار دولار خلال الثلاثي الأول من 2027، مع نسبة نمو تفوق 3.8% وقد تصل إلى حدود 4.2%.

وفي هذا السياق، جاء الرفض القاطع لأي استدانة خارجية من صندوق النقد الدولي ليؤكد سيادة القرار المالي الجزائري، مدعوماً بمخطط استراتيجي يستهدف دخلاً قاراً خارج المحروقات لا يقل عن 50 مليار دولار. وقد ظهرت ملامح هذه القوة الاقتصادية في إرساء قواعد الشفافية والرقمنة، والتي أسفرت عن كشف ممارسات احتيالية لعشرات الشركات الوهمية والمزورين الذين حاولوا التحايل عبر تضخيم الفواتير وتهريب العملة الصعبة، لتثبت الرقمنة أنها السلاح الأقوى في يد الدولة لحماية الاقتصاد الوطني والسيادة النقدية. كما برز التوجه نحو الاقتصاد الحر بالتوازي مع حماية الطبقات الفقيرة وصيانة القدرة الشرائية عبر آليات ضبط صارمة ومشاريع استثمارية كبرى تجاوزت حاجز الـ 20 ألف مشروع عبر الشباك الوحيد.

رؤية استراتيجية في الطاقة والأمن الغذائي

طاقوياً، قطعت الجزائر الشطر الأكبر من مشروع الأنبوب العابر للمتوسط، وأكد الرئيس بحزم أن مشروع أنبوب الغاز القادم من نيجيريا عبر النيجر والجزائر هو المشروع الواقعي الوحيد المتاح لأوروبا، وما عداه “سيصل الريح”. كما عكست سياسة ترشيد الطاقة والتعامل الحكيم مع الأسواق العالمية التزام الجزائر الدائم بالإجماع والاستقرار العالمي، مروراً بتعزيز البنى التحتية الكبرى كتوسعة ميناء عنابة، ومشاريع تحلية المياه التي ستغطي 62% من احتياجات الشرب، ومشروع السكة الحديدية العاصمة – تمنغست الممول برافد إفريقي.

أما في القطاع الفلاحي، فرغم العراقيل المصطنعة وجشع بعض المضاربين ومخلفات الحرائق المفتعلة، أكد الرئيس أن الدولة ماضية في تعزيز دور الضبط وحماية الفلاحين الحقيقيين، مع الوصول إلى حوصلة نهائية للقطاع في السداسي الأول من 2027 لضمان الأمن الغذائي وخفض الأسعار بشكل محسوس.

مجتمع مصان.. وأجور تتصاعد بعدالة

اجتماعياً، مثلت الالتزامات الرئاسية انحيازاً صارخاً للمواطن البسيط، حيث أُعلن عن زيادة مرتقبة في الأجور بنسبة 53% في عام 2027، لتصرف إما دفعة واحدة أو دفعتين حسب الظروف المالية للبلاد، مع ربط هذه الزيادات بنمو المداخيل تفادياً للتضخم. وعلى صعيد السكن، تجاوزت الدولة التزاماتها بتسليم أزيد من مليوني وحدة سكنية وفاءً لتضحيات الشهداء، ومواصلة لجهود التنمية التي شملت ملايين المستفيدين في مناطق الظل.

وفي الملفات الأمنية والقضائية الحساسة، وجّه الرئيس رسائل صارمة ضد عصابات المخدرات وجرائم اختطاف الأطفال، مؤكداً دعم إقرار عقوبات رادعة تصل إلى الإعدام بعد استنفاد كافة طرق الطعن، لمواجهة حرب حقيقية تهدف إلى تكسير المجتمع الجزائري.

دبلوماسية المبادئ والاستقرار الإقليمي

خارجياً، أثبتت الدبلوماسية الجزائرية مجدداً ثبات عقيدتها القائمة على حسن الجوار، ودعم السلم الإقليمي، ورفض عسكرة منطقة الساحل. وأكد الرئيس بوضوح أن الجزائر ستظل في خندق واحد لحماية النيجر، وأن الاستقرار يأتي عبر التنمية لا الفقر والإرهاب. وفي قضية الصحراء الغربية، جدد الموقف الثابت: لا أحد يستطيع محو الشعب الصحراوي من الخريطة، والجزائر ليست صحراوية أكثر من الصحراويين أنفسهم وهي مع أي حل يرضونه. أما على الصعيد العربي والدولي، فالجزائر لا تفرط في صداقاتها الكبرى مع روسيا، الصين، والولايات المتحدة، مع تأكيد الموقف الحاسم والرافض لطغيان بعض الأطراف إقليمياً، حيث وصلت الأمور حداً جعل “السكين يصل إلى العظم” مع الإمارات، متمسكةً بسيادتها وكرامة شعبها الذي دفع الملايين من الشهداء ثمناً للحرية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك