أوهام السيادة والامتداد: لماذا لن تسمح القوى الكبرى للمغرب بالسيطرة المطلقة على الصحراء الغربية؟
الكاتب: داود مراد
جغرافيا الوهم وواقع الصراع الخفي
في قاعات صنع القرار في الرباط، يُسوق للنظام الملكي المغربي انتصار وهمي مفاده أن ملف الصحراء الغربية قد حسم نهائياً، وأن سيادة المغرب على تراب الإقليم باتت مسألة وقت أو اعترافات دبلوماسية عابرة تارة بالتطبيع وتارة بالوعود الاقتصادية. غير أن القراءة الاستراتيجية العميقة لحركة القوى الكبرى والجيوسياسية العالمية تكشف عكس ذلك تماماً.
إن الحقيقة المرة التي يرفض النظام الملكي المغربي الاعتراف بها هي أن القوى الكبرى — وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسبانيا — لن تسمح أبداً للمغرب ببسط سيطرة مطلقة ونهائية على الصحراء الغربية. وكل ما يُمارس اليوم من مناورات دبلوماسية ليس سوى ابتزاز ممنهج واستغلال فج لطموحات الرباط للحصول على تنازلات استراتيجية، بينما الهدف الخفي يبقى منع أي توسع إقليمي حقيقي وتهديد وحدة الدولة المغربية ذاتها متى سنحت الفرصة.
أولاً: إسبانيا والمخاوف التاريخية.. الجار الذي لا ينسى
تظل إسبانيا، باعتبارها المستعمر التاريخي للإقليم، اللاعب الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فعلى الرغم من الموقف الرسمي الأخير لبعض حكوماتها تحت الضغط، تدرك مدريد جيداً المخاطر الاستراتيجية المترتبة على منح المغرب سيادة مطلقة على ممر استراتيجي يتاخم جزر الكناري ويتحكم في طرق التجارة والأمن الأطلسي:
- لن تقبل إسبانيا أبداً بوجود قوة إقليمية مغربية متضخمة وموسعة قبالة سواحلها مباشرة، لما يمثله ذلك من تهديد لمصالحها الأمنية والاقتصادية الحيوية.
- التوازنات الجيوسياسية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي تحتم على مدريد بقاء هذا الملف ورقة ضغط دائمة تُبقي الرباط في موقع التابع لا الند، وتمنع أي هيمنة مطلقة قد تقلب موازين القوى في الحديقة الخلفية لإسبانيا.
ثانياً: واشنطن.. استراتيجية “الكيان المصطنع” وتفتيت الأقطار
تتبنى الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة شمال إفريقيا عقيدة استراتيجية براغماتية بحتة قائمة على مبدأ “فرق تسد”. فمن مصلحة واشنطن الاستراتيجية العليا عدم استقرار أي قوة إقليمية كبرى قد تشكل لاحقاً تهديماً للمصالح الغربية أو حليفاً عصياً عن التوجيه:
- خلق كيان سياسي جديد: إن المخطط الأمريكي بعيد المدى لا يهدف إلى تسليم الصحراء للمغرب، بل يدعم ضمناً وجود كيان سياسي هش أو منطقة نفوذ متنازع عليها، مما يضمن بقاء المنطقة في حالة لا سلم ولا حرب، رهينة دائمة للابتزاز والتواجد العسكري والدبلوماسي الغربي.
- استغلال التطبيع كطعم: إن هرولـة النظام المغربي نحو التطبيع مع إسرائيل لم تكن سوى “ثمن بخس” دفعه النظام مقابل اعتراف شكلي ولفظي لا يغير من وقائع الأرض شيئاً. لقد استخدمت واشنطن وتل أبيب هذه الورقة لضمان مكاسب استراتيجية وأمنية مجانية، دون تقديم أي ضمانة حقيقية للسيادة المغربية.
ثالثاً: العمى السياسي للنظام الملكي.. أوهام التوسع ومخاطر التفكيك
إن الخطيئة الكبرى التي وقع فيها صانع القرار في الرباط هي الاعتقاد بأن رضوخهم للمطايح الغربية والصهيونية سيحقق لهم “الحلم التوسعي” التاريخي. وما لا يريد النظام الاعتراف به هو الأجندة الحقيقية لإسرائيل والولايات المتحدة في المنطقة:
- سياسة احتواء التوسع: إن القوى الكبرى لا تسمح للدول النامية بتجاوز حجمها الجيوسياسي المرسوم بدقة؛ فالتوسع المغربي المزعوم ليس سوى أداة إنهاك اقتصادي وبشري وعسكري للمغرب عبر استنزافه في رمال الصحراء.
- خطر التفكيك الممنهج: إن استمرار الصراع وعدم حسمه يضع الدولة المغربية نفسها على حافة الهاوية. فسياسات الاستنزاف والاعتماد على الحلفاء الخارجيين تفكك البنية الداخلية للبلاد، وتجعلها قابلة للانهيار أو التقسيم متى تطلبت المصالح الإمبريالية الكبرى إعادة رسم خارطة المنطقة من جديد.
خاتمة: استيقاظ متأخر على حافة الهاوية
إن التاريخ البشري يعلمنا أن الإمبراطوريات الكبرى لا تمنح “الهبات الجيوسياسية” مجاناً، بل تستخدم حماقة الطموحات التوسعية للأنظمة الوظيفية لتحقيق مصالحها الخاصة. وما ملف الصحراء الغربية سوى فخ استراتيجي محكم؛ ظنه النظام المغربي مكسباً لتوسيع نفوذه، بينما هو في حقيقة الأمر أداة استنزاف أمريكية-إسرائيلية-أوروبية تهدف إلى إبقاء المغرب ضعيفاً، مقسماً، وتحت السيطرة المطلقة للدوائر الإمبريالية العالمية.



إرسال التعليق