3 أيام في دهليز التحقيق بالمخابرات (الحلقة 2 )

الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

استراتيجية التفكيك النفسي ونشوة السلطة

لم تكن إدارة التحقيقات في المكتب الثاني للجيش الفرنسي تُدار بعقلية الهاوي أو الانفعال اللحظي، بل وفق أدبياتٍ علمية صارمة جرى تطويرها لكسر البنية النفسية للمجندين والمشتبه بهم. وفي صبيحة اليوم الأول من احتجاز “نجوين”، انطلقت المرحلة الثانية من الخطة: التفكيك النفسي المنظم.

في تمام الساعة الثالثة فجراً، وهو التوقيت السيكولوجي الأضعف للجسد البشري حيث تهبط القدرات الإدراكية إلى أدنى مستوياتها، فُتح باب الزنزانة بصوتٍ حديدي ارتجت له الأركان. أُقتيد نجوين مجدداً، تحت الحراسة المشددة، إلى نفس الغرفة المغلقة ذات المصباح الأصفر المائل للإبهار.

كان ينتظره هذه المرة أسلوبٌ مختلف تماماً. جلس النقيب “دوبوا” وخلفه لوحة معلقة تحتوي على خريطة تفصيلية لمنطقة دلتا الميكونغ، حُددت عليها القرى والممرات النهرية ببالغ الدقة. لم يستعمل الضابط أي وسيلة ضغط جسدي مباشر في هذه المرحلة؛ إذ إن العقيدة العسكرية الاستخباراتية في تلك الحقبة كانت تعتبر العنف البدني السريع وسيلة غير مجدية كلياً، لأنها تمنح المعتقل “شرف المقاومة” وتشعل لديه غريزة التحدي.

استخدم دوبوا تكتيك “الإغراق بالمعلومات والتكذيب الضمني”. بدأ يقرأ على نجوين تفاصيل دقيقة عن حياته اليومية: أين يشتري بذوره، متى يخرج إلى الحقل، أسماء جيرانه، وأوقات تردد بعض الغرباء على قريته. كان الهدف من هذا الإغراق إشعال “عقدة الشك” داخل نفس المعتقل، وإيهامه بأن ملفه مكشوف بالكامل، وأن إنكاره ليس إلا خطوة عبثية تأجل المحتوم.

قال دوبوا وهو يتأمل ردود فعل عينيه: “نحن نعرف أنك لست قادداً في المليشيات يا نجوين، ولكنك الحلقة التي تربط بين القرية والمغارة. إذا تتحدث الآن، ستعود إلى حقولك قبل غروب الشمس.. وإذا واصلت الصمت، ستتحول من مجرد مشتبه به إلى هدفٍ تجب تصفيته”.

هنا يتجلى الصراع بين إرادة البقاء العادية وبين الالتزام العقائدي أو الوطني. بالنسبة لـ “نجوين”، لم تكن المسألة مجرد اعتراف بأسماء؛ بل كانت إدراكاً بأن أي كلمة نطق بها ستعني إعدام جيرانه أو حرق قريته بأكملها.

اخترق الصمتُ الغرفةَ مجدداً. آثر نجوين الانكفاء على ذاته، مكرراً جملته الوحيدة كمن يتشبث بطوق نجاة وسط طوفان: “أنا مجرد مزارع أرز.. لا أفهم في الحروب يا سيدي”.

أشار دوبوا للحراس ببرود. أُطفئ المصباح الأصفر، وتُرك نجوين في الظلمة التامة داخل الغرفة نفسها لعدة ساعات، حيث يتحول الظلام والانعزال إلى أداة تعذيب باطنية، تجعل العقل يتغذى على مخاوفه الخاصة ويصنع أهواله دون تدخلٍ خارجي.

انتهت الجولة الثانية بتأكيد حقيقة سيكولوجية حاسمة: العقل البشري حين يقرر الصمود، يستطيع تحويل الجهل والإنكار إلى درعٍ حصين، مما يضطر المحقق لل انتقال إلى المراحل الأكثر خطورة وقسوة.

الجنرال عبد اللطيف نواس البلجي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك