كيف تُسقطنا العثرة الأولى في وحل الاعتياد؟

توفيق حسون

في سيرة السلوك البشري، ثمة لحظة مفصلية لا يتنبه لها المرء إلا بعد فوات الأنهار؛ لحظة التحول من الحرص المطلق إلى اللامبالاة المطلقة. تشبه هذه اللحظة، في عمقها النفسي والديموغرافي، حركة الرجل صاحب الحذاء الأبيض؛ يتجول في دروب الحياة المليئة بالأوساخ وهو ينظر إلى الأرض بتركيز شديد، يرفع طرف ثوبه، يختار وطأته ببراعة، ويقيس خطواته بالمتر والقيراط كي لا تمسّه قطرة طين واحدة. إنه يمثل النقاء الشكلي والمبدئي الذي نحرص جميعاً على الظهور به في بدايات مواجهتنا لمشكلات الحياة وصعوباتها.

غير أن الحياة ليست مضماراً ممهداً، بل هي مليئة بحفر العثرات وفخاخ الصدف. وفي لحظة سهوٍ واحدة، تعثر القدم! لا يسقط الرجل كلياً، لكن حذاءه النظيف يُلطّخ ببقعة وحل داكنة. هنا تحديداً، يحدث الشروخ النفسي الكبير؛ تشعر النفس بأن “الكمال” قد انتهك، وأن الصفحة البيضاء لم تعد بيضاء. تزول تلك الهيبة المقدسة التي كانت تغلف النقاء الأول، ويبدأ حذر الشخص بالراجع والتراجع. فالحذاء لم يعد نظيفاً على أي حال، فلماذا كل هذا العناء في الانتقاء؟

مع تكرار الخطوات، يلتفت هذا الإنسان حوله في معترك الحياة، فيرى أن أحذية الجميع بلا استثناء متسخة؛ الكل خاض في مستنقعات الظروف، والتسويات الأخلاقية، والخيبات، والآثام الصغيرة والكبيرة. هنا يتدخل العقل الجمعي ليعزز آلية التبرير النفسي: “لست وحدي في هذا الوحل، والجميع قد تلطخت أقدامهم!”. عند هذه النقطة، تسقط البقية الباقية من الحذر، ويخطو المرء بجرأة غير مسبوقة في قلب المستنقع، يتسخ أكثر فأكثر، ليس لأنه يحب القذارة، بل لأن كسر الحصار النفسي للألم أو الخطأ جعل الانغماس فيهما أسهل من محاولة التطهر منهما.

إن هذه الصورة البلاغية تختصر أعتى صعوبات الحياة الإنسانية: تأثير السقوط الأول وتطبيع المشكلة. إن التحدي الحقيقي في هذه الحياة ليس في تجنب التلوث بالكامل؛ فالمشي في دروب الدنيا يفرض علينا التلوث بالهموم، والأخطاء، والانكسارات. بل إن التحدي الأكبر يكمن في مقاومتنا لغريزة والاستسلام بعد العثرة الأولى.

المشكلة الكبرى التي تواجهنا في أزماتنا ليست في البقعة الأولى التي تصيب أحذيتنا، بل في “عقدة الذنب المكتسبة” التي تقنعنا بأنه لا فائدة من المحاولة بعد اليوم. ننسى أن الحذاء المتسخ يمكن تنظيفه، وأن الثوب اللطخ يستعيد ناصع بياضه بالغسيل، ونختار بدلاً من ذلك أن نغرق في الوحل كاملاً لمجرد أننا لم نستطع البقاء معصومين!

إن صعوبات الحياة تستدرجنا تدريجياً؛ تبدأ بصدمة، ثم تكيّف، ثم تسليم، ثم مشاركة في خوض الوحل مع الخائضين. والنجاة الحقيقية لا تتطلب أرضاً خالية من الأوساخ —فهذا محال في واقع بشرّي معقد— بل تتطلب وعياً يدرك أن زلة القدم لا تعني بطلان المسير، وأن اتساخ الحذاء في جولة من الجولات لا يسوغ لنا أن نجعل من الوحل موطناً دائماً لخطواتنا.

توفيق حسون

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك