موت الشغف بسلام: دليلُك العَمَلي لتحوّلك إلى كائنٍ هيدروليكي!

عبد الرحمن إبراهيمي

في مرحلةٍ ما من الحياة، يستيقظ المرء ليجد أن “المحرّك الداخلي” الذي كان يدفعه للتغيير، وحفظ اللغات، والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، قد قرر تقديم استقالته بدون إشعار سابق! يستيقظ لينظر إلى السقف بسؤالٍ فلسفيٍّ عميق: “ما الهدف من نهوضي من السرير؟ هل لأصلح العالم؟ أم لأحصل على كوب قهوةٍ ثم أعيد نفس المأساة يوم غد؟”

تهانينا يا صديقي! لقد دخلت رسمياً نادي “فاقدي الشغف”، مرحباً بك في هذه المساحة الدافئة حيث لا حماس، لا أهداف مستحيلة، والأهم من ذلك: لا تأنيب ضمير!

كان آباؤنا يقولون إن التعب يزول بالراحة، لكنهم لم يجربوا جيلنا الذي يستيقظ من نومٍ استمر لـ 10 ساعات وهو يشعر بأنه كان يخوض معركة “حطين” في أحلامه! المشكلة ليست في الإرهاق الجسدي، بل في هذا “الشغف” الذي أوجعوا رؤوسنا به في كتب التنمية البشرية. يخبرونك: “اتبع شغفك، ابحث عن شغفك!”، وكأن الشغف مفتاح سيارة أضعته بين وسائد الأريكة!

فقدان الشغف في مجتمعنا الحالي أصلح له مفهوم استثماري؛ فهو الحالة الوحيدة التي تحقق فيها استقراراً نادراً. لا طموحات تخيب، ولا آمال تتحطم، ولا مشاريع تجارية في خطتك تدمر صحتك النفسية! تتحول إلى كائن “هيدروليكي” بسيط: تأكل، تشرب، تحرك رأسك للموافقة في الاجتماعات، وتنتظر نهاية الأسبوع كي تمارس هوايتك المفضلة: الاستلقاء على الأريكة والصمت.

حين تفقد شغفك، تكتشف حقائق مذهلة عن الحياة:

  • التطبيقات والمنبهات: تصبح مجرد نكتة سخيفة. منبه الـ 7:00 صباحاً يتحول إلى جرس إنذار خفيف لتبدأ مرحلة “التأجيل التلقائي” كل 5 دقائق حتى الساعة 8:15.
  • المنشورات التحفيزية: رؤية صورة لشخص يستيقظ في الخامسة صباحاً ليركض 10 كيلومترات ويكتب كتاباً قبل الإفطار تصبح مصدراً للضحك المتواصل، أو للشفقة عليه!
  • العلاقات الاجتماعية: تتلاشى رغبتك في النقاشات العقائدية والسياسية المعقدة، ويحل محلها رد واحد لكل المعارك الوجودية: “صحيح والله.. الله يستُر!”.

إن الجانب المشرق الوحيد لفقدان الشغف هو أنه يعطيك حصانةً نفسيةً جبارة؛ فلا شيء بإمكانه أن يصدمك، لأن توقعاتك من الحياة هبطت أصلاً إلى ما تحت الصفر. السقف الذي كنت تطمح للوصول إليه أصبح مجرد مساحة ترغب في طلاء لوحها لتهدئة عينيك أثناء التحديق!

يا عزيزي فاقد الشغف، لا تحزن ولا تبتئس، فالعالم مليء بالمتحمسين الذين يتراكضون في كل اتجاه دون جدوى. خذ نفساً عميقاً، اترك السعي للكمال جانباً، واعلم أن البقاء على قيد الحياة وتوفير الحد الأدنى من طاقة البطارية هو بحد ذاته إنجازٌ خرافي يستحق التصفيق.

احمل كوب الشاي الخاص بك، واجلس مستمتعاً بهذا الهدوء المريب.. فالشغف مجرد كذبة تسويقية اخترعها صانعو قهوة “الاسبريسو”!

عبد الرحمن إبراهيمي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك