أثمان الكبرياء وحسابات الجغرافيا: من يحاكم غزة ومن يشعل حرائقها؟

عثمان أمجد

حين تندلع الحرائق الكبرى وتتطاير شظايا الدمار فوق الرءوس، تتباين زوايا النظر وتتصارع التفسيرات. ففي مشهد غزة الدامي، تنقسم الأصوات وتتباين الاتهامات حول المسؤولية التاريخية عما آلت إليه الأوضاع. هناك قطاعات واسعة، غاضبة ومفجوعة بحجم الخراب، تحمل حركة “القسام” وفصائل المقاومة وزر هذه الحرب الكارثية وتبعاتها المدمرة على الحجر والبشر. وفي المقابل، يبرز المشهد الإقليمي المعقد، حيث تقف إيران — التي كانت تعاني من أزماتها العميقة قبل السابع من أكتوبر — لتعلن صراحة اليوم، وبعد كل ما تتعرض له وبسببه، عن فخرها واعتزازها بما صنعته سواعد الأبطال في معركة “طوفان الأقصى”. فبين ألم الضحية في الميدان، ورهانات المحاور في الإقليم، تتكشف تعقيدات الصراع وأثمان الكبرياء السياسي.

أولاً: منطق العتاب.. من يحمل القسام مسؤولية الدمار؟

من الطبيعي جداً، وسط مشاهد الركام والمقابر الجماعية وفقدان الأحبة، أن يرتفع صوت العقل الواقعي متسائلاً بمرارة: هل كان حساب التكلفة الاستراتيجية مدروساً بما يكفي؟ يرى المنتقدون والمعاتبون أن حجم الدمار الهائل في البنية التحتية لقطاع غزة، وعدد الضحايا المدنيين غير المسبوق، والتجويع والتهجير، هو ثمن باهظ جداً لا يوازيه أي مكسب سياسي فوري.

  • اختلال موازين القوة: يجادل هذا التيار بأن الدخول في مواجهة مفتوحة ومفرطة القسوة مع آلة حرب إسرائيلية مدعومة غربياً مطلقا، دون توفير شبكة أمان كافية أو ضمانات حماية حقيقية للمدنيين، يعد مغامرة غير محسوبة النتائج.
  • العبء الإنساني: تتركز هذه الانتقادات حول حقيقة أن الفاتورة الأقسى دفعها الإنسان الفلسطيني البسيط الذي يحاول فقط النجاة بيومه، مما يخلق شرخاً شعورياً بين حجم التضحيات الضخمة وبين الأفق السياسي المجهول الذي أسفرت عنه المعركة.

ثانياً: حسابات المحاور.. إيران والمكاسب الاستراتيجية وسط الرماد

على الجانب الآخر من الطاولة، يقف المشهد الإيراني ليقدم قراءة مختلفة تماماً للمشهد. فقط قبل السابع من أكتوبر، كانت طهران ترزح تحت وطأة اختناق اقتصادي خانق، واحتجاجات داخلية عارمة، واختراقات أمنية متكررة في عمقها الاستراتيجي. لكن حسابات طيران طهران نحو المستقبل جاءت مختلفة:

  • إعادة إحياء “وحدة الإاحات”: نجحت طفرة أكتوبر في إعادة تصدر القضية الفلسطينية للواجهة الدولية بعد أن كادت تُمحى عبر قطار التطبيع الإقليمي.
  • الافتخار وسط الركام: اليوم، وعلى الرغم من كل الضغوط الضربات والتكلفة التي تعرضت لها شبكة حلفائها في الإقليم وبسبب المعركة نفسها، تصر إيران على تبني الإنجاز العسكري للمقاومة والافتخار به. بالنسبة لطهران، يمثل هذا الصمود ثغرة استراتيجية كبرى في جدار الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية بالمنطقة، بغض النظر عن الأثمان البشرية الباهظة التي تُدفع على جغرافيا قطاع غزة وحدها.

ثالثاً: المفارقة المؤلمة.. من يدفع الفاتورة ومن يجني الثمار؟

هنا تكمن المأساة الكبرى والمعضلة الأخلاقية والسياسية في الصراع العربي-الإسرائيلي المعاصر: أن من يحتمل وزر الدمار ويدفع دماء أبنائه وحرارة بيوته هو الشعب الفلسطيني وحده في الميدان، بينما تتحرك الأجندات الإقليمية لتوظيف هذه التضحيات في موازين نفوذها الواسعة.

  • المقاومة في غزة انطلقت من دافع وطني محظ، هادفاً لكسر الحصار المزمن، وتغيير قواعد اللعبة، وتحرير الأسرى، وإعادة القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي.
  • لكن استثمار هذا الصمود تحول سريعاً إلى جزء من حرب استنزاف إقليمية أوسع، تتقاطع فيها حسابات طهران مع طموحات طمس معالم القضية أو إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.

في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال ملحمة غزة في خانة “المغامرة المتهورة”، كما لا يمكن تبرير دمارها الكامل باسم “الانتصار المطلق”. إن الحقيقة تقبع دائماً في تلك المنطقة الرمادية المؤلمة؛ حيث يسطر المقاتلون ملاحم أسطورية في البسالة والرفض المطلق للذل، بينما يدفع أهل غزة من لحمهم الحي ثمن صمت عالمي وعجز إقليمي. وبين من يحملون القسام وزر الخراب، ومن يفتخرون بالمعركة من على بُعد آلاف الأميال، تظل دماء غزة وحدها هي الشاهد الأصدق على قسوة التاريخ وصعوبة المخاض نحو الحرية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك