متحرش فيسبوك الذي افقدني عقلي ..

أغبيات في زنزانة الأزرق: مذكرات “أنطونيو” العاثر (الحلقة 01 من 02)

ذهبية شريط

في عالم التحرش الإلكتروني، هناك مجرمون محترفون يتخفون خلف حسابات وهمية وتقنيات معقدة.. وهناك “عنتر”؛ الشاب البالغ من طور المراهقة متأخراً، صاحب الحساب الفاخر المسجل باسم “سفير الحب والرمانسية”، والملتقط لصورته الشخصية بنظارة شمسية داخل سيارة صديقه المتوقفة أمام ورشة ميكانيكا!

كان عنتر يعتبر نفسه كاسانوفا الفيسبوك، يُداري بطالته المزمنة ومستواه الدراسي المتواضع بترصد صفحات الفتيات من السابعة صباحاً وحتى آذان الفجر. لكن مشكلته الكبرى لم تكن في عدم لياقته الاجتماعية فحسب، بل في أن “خوارزمية عقله” أبطأ بكثير من خوارزميات الفيسبوك نفسها.

بدأت الغزوة الشهيرة في منتصف ليلة ثلجية، حين ظهرت في قائمة “أشخاص قد تعرفهم” فتاةٌ تدعى “نور الهدى”. كانت صورتها الشخصية عبارة عن فنجان قهوة وكتاب لمهدي المنجرة، ومكتوب في خانة التعريف: “طالبة دكتوراه في التاريخ الحديث – لا أقبل الإضافات العشوائية”.

بالنسبة لعنتر، كانت عبارة “لا أقبل الإضافات” تُترجم تلقائياً في عقله البدائي إلى: “رجاءً يا صاحب النظارة، أرسل لي طلب إضافة ونسخة من حياتك”.

اضطربت أصابع عنتر على الشاشة، ولم يكتفِ بإرسال طلب الإضافة، بل بدأ المخطط الإستراتيجي للمضايقة عبر ثلاث خطوات جبارة:

  1. الإعجاب بـ 47 منشوراً قديماً دفعة واحدة (يعود أقدمها لعام 2018).
  2. التعليق بـ “قلوب حمراء” على صورة كتبتها عن الحرب العالمية الثانية.
  3. الانقضاض المباشر على “الماسينجر” برسالة الديبلوماسية الشهيرة: “مساء الخير يا عسل.. الملاك ده صاحي ولا نايم؟”

انتظر عنتر لدقيقتين وهو يفرك يديه بنشوة الظفر. ظهرت العلامة الزرقاء الصغيرة: “تمت القراءة”.

شعر بأن قلبه يخفق بشدة. لكن الرد الذي وصله لم يكن وردة ولا ابتسامة خجولة، بل كان رسالة قصيرة ومختصرة من “نور”: “عفواً، هل أعرفك؟ ومن أين لك هذا أسلوب الخطاب الغريب؟”

سارع “سفير الحب” إلى تطبيق التكتيك رقم 2 في دليل المتحرشين الفاشلين: “الافتراض القاطع بأن الفتاة تخجل فقط”.

كتب فوراً ببدائية متناهية: “أنا اللى هبقى قدرك يا جميل.. وبعدين اللي زيك مفروض متزعلش لما واحد ثقيل وراجل يقدر جمالها يكلمها! أصل البوفيل بتاعك ينور أي صفحة”.

لم ينتبه عنتر إلى أنه أرسل الرسالة الصوتية وموقعه الجغرافي مفتوح (GPS)، ليظهر أسفل الرسالة خط عريض باللون الرمادي: “تم الإرسال بالقرب من: مقهى البركة – حي السلام”!

وهنا، ولأول مرة في تاريخ الفيسبوك، قررت “نور الهدى” ألا تستخدم زر الحظر (Block) التقليدي، بل قررت أن تحوله إلى أضحوكة المجموعات المغلقة، لتنطلق الحلقة الثانية من هذه المأساة المضحكة.

ذهبية شريط

أغبيات في زنزانة الأزرق: السقوط المدوّي لـ “كاسانوفا” (الحلقة 02 من 02)

بقلم: ذهبية شريط

بدلاً من أن تقوم “نور الهدى” بإنهاء المحادثة بـ “بلوك” مريح للرأس، قامت بالتقاط صورة للشاشة (Screenshot) للمحادثة وللموقع الجغرافي ولصورة الحساب الشبيهة بإعلانات التمر المحشي، ونشرتها في أكبر مجموعة نسائية على الفيسبوك تضم 300 ألف عضو، تحت عنوان: “بطل الليلة.. السفير عنتر من مقهى البركة!”.

في هذه الأثناء، كان عنتر يجلس في المقهى نفسه، يحتسي الشاي ويخبر صديقه “جمال” بثقة النجوم: “الفتيات هذه الأيام يعشقن الرجل الجريء يا جمال.. أرسلتُ لها رسالة ستجعلها تفكر فيّ طوال الليل!”.

لم تمضِ سوى عشر دقائق حتى بدأت الكارثة.

أولاً، انهالت على حسابه أكثر من 1200 رسالة في ذات اللحظة! ظن عنتر في البداية أنه حقق نجاحاً باهراً وسيطر على قلوب العذارى، لكنه حين فتح الرسائل وجد حجماً من السخرية والتهكم لم يشهد له التاريخ الموازي مثيلاً:

  • فتاة تطلب منه تصحيح الأخطاء الإملائية في كلمة “البوفيل”.
  • وآخرى تسأله عن سعر النظارة الشمسية التي يرتديها في الليل داخل السيارة.
  • وثالثة أرسلت له رابطاً لمراكز علاج المراهقة المتأخرة!

ولم تتوقف المهزلة عند هذا الحد؛ إذ إن إحدى بائعات المنتجات التقليدية في مجموعات النساء تبين أنها ابنة عم أبيه! طالعت “المنشور” وعرفت موقع المقهى والصورة، فاتصلت فوراً بوالدته في البيت: “يا خالة.. ابنك عنتر فضحنا في الفضاء الأزرق، واقعدي شوفيه المقهى اللي جنبكم بيعاكس في بنات الناس!”.

بينما كان عنتر يحاول استيعاب حجم الصدمة وهو يمسح الرسائل بمهارة الفاشل، رن هاتفه بنغمة المولد الشهيرة. كان المتصل: “الأم”.

جاء الصوت من سماعة الهاتف كصاعقة رعدية هزت المقهى بأكمله: “يا مسود الوجه! يا سفير الحب! ارجع للبيت فوراً قبل ما آجي بالقبقاب أعملك حظر من الحياة كلها!”.

تجمّد عنتر في مكانه، وأسقط كوب الشاي من يده. نظر إليه صديقه جمال بذهول وقال: “ما بك يا عنتر؟ ألم تقل إنها ستفكر فيك طوال الليل؟”.

أجاب عنتر وهو يغلق حسابه كلياً ويمسح تطبيق الماسينجر بنشيج مكتوم: “لقد فكرت فيّ فعلاً يا جمال.. هي وأمها وعمتها وشعب الفيسبوك بأكمله!”.

ومنذ ذلك اليوم، تحول “سفير الحب والرمانسية” إلى أكثر اسم يُستخدم للتندر في صفحات الأزواج، وأصبح عنتر إذا أراد استخدام الهاتف، لا يجرؤ حتى على فتح تطبيق “الواتساب”، مكتفياً بشراء جريدة ورقية وقراءتها تحت شجرة التوت في صمت تام!

ذهبية شريط

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك